لاجلها بقلم امل نصر

لمحة نيوز


الثاني يقابلها بابتسامة متسعة متمتما بشفتيه كلمات سهلة القراءة
صباح الجمال.
لم تجب التحية واكتفت أن تحدجه غاضبة بعينيها الجميلتين اللتين تأسره بالنظر إليهما غافلة ببراءة تناقض شراستها أنها تزيد من تسليته. ليردف بتحريك الشفاه مرة أخرى
مستنيكي النهارده تنوري البيت.
وكأنها عادت طفلة صغيرة لا تدري ببلاهة أفعالها اهتز رأسها بالرفض وتحريك الشفاه
احلم براحتك مش داخلة بيتك.
والتفتت بعنف تذهب من أمامه فلم تر الضحكة الكبيرة التي كتم صوتها بصعوبة يضرب بكفه على ذلك الجزء الناقص من الحائط حتى إذا توقف غمغم بصوت مسموع لنفسه
آه يا أنا يا أمه تلاحق على إيه ولا إيه بس يا حمزة دمها العسل ولا العيون المسحوبة ولا... يا غلبك يا حمزة يا غلبك!
...............................
وقف يتابع خروج الفتيات من مدرستهم ومرور عدد منهن في ذلك الطريق الجانبي وليس الرئيسي الذي يمر عليه المعظم. ينظر لساعة يده كل لحظة في انتظار تلك المرأة المعقدة مخمنا بفطرته أن هذا هو الممر الوحيد لمنزلها.
زفر بضيق يكتسحه لثقل تلك المهمة التي تطوق رقبته بعذاب الضمير. ليتها كانت امرأة عادية وتعرف التحدث بالأخذ والرد ولكن كيف وهي تتخذ معاداة الرجال أسلوب حياة كما سمع من بعضهم.
انتفض مستقيما بعد أن كان متكئا على جانب سيارته يبصرها قادمة من قريب متحفزا لمعركة قد تؤدي لفضائح أو ربما خسائر بشرية لكنه لن يهتز أو يتراجع عما قرر فعله منذ الأمس. ما زالت تقترب وعدد من الفتيات يرافقنها يتبادلن الحديث والضحك يا إلهي! إنها تعرف الضحك مثل باقي البشر!
أستاذة اعتماد! هتف مناديا باسمها يجذب انتباهها وانتباه الفتيات اللواتي يحيطن بها من الجانبين غير مبال بالغضب الذي ارتسم

جليا على ملامحها مستنكرة فعله بالتأكيد. ولكن فليكن لقد شحذ همته استعدادا لكل المصائب من طرفها.
تابع تصرف الطالبات وهن يواصلن المسير دونها فاتجهت إليه بخطوات تحفر الأرض بغضبها حتى إذا توقفت أمامه
نعم بتنادي ليه حضرتك
صمت برهة يتأملها ولأول مرة تحضره ضحكاتها منذ قليل مع طالباتها. لقد ظن لوهلة أنه أخطأ الشخصية بالإضافة إلى الاختلاف التام بين تلك التي كانت مع الفتيات وهذه التي تقف أمامه بوجهها المشتد... ومع ذلك جميلة!
حضرتك بسألك بتنادي عليا ليه ممكن أفهم ليه ساكت
ما أبشع غضبها وتشنجها في الصياح دون تمييز! زفر يستدعي الحكمة والهدوء في النقاش مع كتلة النار التي تقف أمامه
معلش يا أبلة اعتماد لو عصبناكي بس أنا بصراحة كان لازم أشوفك عشان أسألك...
هدأت من وتيرة أنفاسها قليلا 
تسألني عن إيه
أجاب يدخل في الموضوع مباشرة
أسألك عن التليفون حضرتك اللي عطل امبارح... بسبب المية...
وإنت إيه يخصك عشان تسأل
سليطة اللسان! كم يود أن يهشم رأسها! بارعة جدا في إخراجه عن طوره الطبيعي الهادئ إلى الانفعال بعصبية.
مالي كيف يعني هو التليفون دا مش باظ بسببي ولا بسبب حد غيري عرفت إنك وديتيه لحمادة جينيس بتاع التليفونات في البلد وجالك إنه ما عرفش يفتحه ولا بيشتغل فيه أصلا عشان حصل له جفلة... يعني ما عادش منه فايدة...
بشرتها الخمرية تحولت إلى الأحمر القاني بامتزاج مع العرق الذي يتصبب على جبهتها وبعض مناطق وجهها بفضل الشمس والعروق التي انتفخت في جبهتها تنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار
يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست برضو هجولهالك تاني إيه دخلك باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش ولا يخص أي حد!
توقفت تهدئ
من وتيرة أنفاسها المتسارعة وصمت هو قليلا يمتص غضبها غير متأثر بكل ما تلفظت به فهذا المتوقع منها أصلا... ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل ماشي رغم كل زعيقك وصراخك أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب. جلتها قبل كده إنه قفل بسببي وأنا ما اتعودتش أغلط وماصلحش غلطي. بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك.
لم تفهم الأخيرة حتى التف بجذعه أمامها وأدخل يده في السيارة متناولا منها علبة بيضاء برقت أبصارها بخطر حين علمت بفحواها ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز وهو يقدمه لها
دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد ممكن تعتبريه عوض وممكن تعتبريه هدية. النبي قبل الهدية...
اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة شرار ناريتيها يكاد أن يحرقه بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالانتقام لذاتها... كيف يفعلها وكيف يجرؤ وكيف...
براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه.
هكذا وبكل سهولة أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرت بموقف مشابه لتعبر عن رفضها وبقوة وأنا ما بجبلش العوض... ولا الهدية!
عاد فجأة بعلبة الهاتف يلقيها داخل السيارة بكل بساطة
تمام أنا كده عملت اللي عليا. ثم امتدت كفه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة يردف لها على عجالة وهو يدير المحرك كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك اتفضلي أوصلك في طريقي بس أخاف كمان تفهميني غلط وده المتوقع. عن إذنك يا أبلة اعتماد.
ظلت على صمتها تراقبه حتى ابتعد بسيارته لتغمغم في أثره بحنق شديد وقد ضيع عليها فرصة الانفجار وصب جام غضبها عليه مغرور... وقليل ذوق!
.........................
....
قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام. ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل عائدة لروتين النساء قديما وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها.
راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا رغم التعب في تحضير كل شيء حتى في تسخين المياه. مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر تتأمل وجهها النضر والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها لترى جمالهما المميز. أصبحت ترى نفسها تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائما حتى من النساء. ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تحرم منه امرأة.
تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها لتزفر بضيق وتنفض رأسها لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها... لا تريد.
أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي يليه نداء ابن شقيقها
افتحي يا عمة مزيونة أبويا جا معايا! استقامت مبتهجة تركض إلى الباب تستقبل شقيقها الغائب دائما بفضل عمله خارج المحافظة وبلهفة لا تقل عنها قابلها هو الآخر يقبل وجنتها وجبهتها متغزلا بعد أن تطلع إليها جيدا
تبارك الرحمن فيما خلق ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر يا بت أبوي! رجعتي مزيونة على حق!
أضاف عليه حازم هو الآخر أيوه يا بوي والله أنا بقولها كده دايما وهي ما بتصدجش!
تبسمت بخجل أصابها ساحبة شقيقها معها إلى الداخل
بس يا واد بطل بكش! أخويا شايفني بعين المحب عمره ما هيشوفني كبرت واصل.
طب ما إنت فعلا ما كبرتيش يا خيتي لساكي! برضك مش مصدجة
قالها وصفي ضاحكا فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها
حبيبي يا خوي ربنا ما يحرمني
منك. بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة. هتجعد معانا
 

تم نسخ الرابط