عيون القلب امل نصر
عيون القلب ج.
مع إشراق الشمس التي بسطت نورها في أرجاء الغرفة انطلقت أغنية أم كلثوم الشهيرة من نافذة الجيران حيث كان الصوت يصل قويا يملأ المكان
أمل حياتي يا حب غالي ما ينتهيش
يا أحلى غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش
خد عمري كله بس النهاردة خليني أعيش...
استيقظت سمية في موعدها اليومي وكلمات الأغنية تتردد في أذنيها. تمنت لو تستسلم للنوم قليلا أو تسترخي مع تلك الألحان الجميلة لتستعيد نشاطها على مهل لكن عقلها كالعادة غلبها بحكمته المعهودة. اعتدلت في فراشها تتمطى وتفرد ذراعيها لتنشط جسدها فما ينتظرها في يومها كثير فهذا بيت ريفي لا ينتهي العمل فيه ولا يوجد غيرها ليتولى المهام بعدما تزوجت شقيقاتها جميعا وبقيت هي أصغرهن.
نزلت من سريرها واتجهت قدماها نحو المرآة لتتأمل نفسها كعادتها كل صباح لعلها تلمح أي نتيجة لمحاولات الحمية الغذائية التي تتبعها عبر الإنترنت لكن دون جدوى. ظل جسدها كما هو ضخما وعريضا كما يصفه والدها وبعض الأقارب فضلا عن نظرات الغرباء الذين يعطونها سنا أكبر من حقيقتها. حتى إن امرأة عجوزا ظنتها يوما متزوجة ولديها أطفال ولم تصدقها حين أخبرتها أنها آنسة ولا تزال صغيرة.
ورغم أن هناك من يراها جذابة كيرفي إلا أنها لم تصدق ذلك قط بسبب التنمر الذي تعرضت له لا سيما من أقرب الناس إليها. ومع أنها خلقة الله ولا تعترض عليها إلا أنها كانت تحزن من التعليقات السخيفة. ترددت كلمات أم كلثوم مرة أخرى
إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيديك
عمرى ما دقت حنان فى حياتى زى حنانك..
خرجت منها تنهيدة حالمة تتمنى لو تشعر بتلك الأحاسيس الجميلة وتعيش الحب مع إنسان يقدرها. وكالعادة تخيلت نفسها
عادت إلى واقعها بإحباط وهي تترك المرآة لتلتفت إلى مهامها متسائلة من قد يراها أو يعرفها وهي لا تجد وقتا لراحة جسدها إلا عند النوم. تناولت حجابها من طرف السرير لتغطي شعرها الجميل الذي ميزها الله به فهي لا تظهره أمام أحد خشية من الله.
خرجت من غرفتها بالطابق الثاني المجاورة لشقة شقيقها الذي استقر هناك مع زوجته وابنه منذ عامين بعدما تركوا المدينة وتكاليفها الباهظة. نزلت إلى الطابق الأرضي حيث والداها المسنان اللذان تجاوزا السبعين وقد أنجباها بعد انقطاع طويل فكان الفرق بينها وبين أقرب إخوتها عشر سنوات. وصلت إلى الصالة حيث يجلسان وخاطبتهما بابتسامة
صباح الخير يا أمي صباح الخير يا بويا.
صباح الخير يا حبيبتي.
ردت والدتها بينما علق والدها كعادته
الساعة داخلة على تمانية يا عين أبوكي ما كنتي كملتي يومك في النوم!
يا بويا الساعة مكلتش سبعة لسة.
قالتها سمية بحزن فدافعت عنها والدتها
واخد البت على مشمها ليه خليها تاخد نفسها الأول.
تاخد نفسها هي كانت بتشتغل دي صاحية من النوم يا ولية!
ويعني اللي صاحية من النوم مش بتاخد وقت تفوق فيه فيه إيه يا عبده
انتي عايزة تتخانقي يا فوزية
خلاص يا جماعة أنا قايمة والله جرى إيه بس
هتفت سمية بذلك وهي تغادر المكان لتتفادى مشاجرتهما المعتادة فهي تتحمل الكثير ومنه كلام والدها الذي يجرحها أحيانا دون أن يشعر. دخلت المطبخ لتحضير الإفطار ودار حديث سريع بين والديها حيث
مش تخف شوية ع البنت يا عبده يعني هي هتلاقيها منك ولا من الدنيا اللي جاية عليها دي يا حبيبة قلبي بتصحى من النجمة.. شغل في البيت تنضيف وترتيب وغسيل وطبيخ ومراعية للبهايم دي ناقص بس تروح الزرع وتفلح فيه.
نصيبها كدة كل البنات بتشتغل في بيت أبوها أهي تتعلم وجسمها ياخد ع الخدمة دا لمصلحتها عشان لما تتجوز تسد في بيت جوزها.
مصمصت فوزية شفاهها وردت بغيظ
يا خويا أهو كله كلام فاضي ما هي مرات ابنك الوسطاني قاعدة فوق في شقتها ولا بتعبر حد فينا بكوباية مية لا ليها دعوة بالبيت ولا ليها دعوة حتى بالبهايم ولا الطير اللي بتاكل منه والمسكينة بنتك هي اللي شايلة الكل على كتافها.
رد زوجها بتهكم
ما هي كتفها عريض ويستحمل.. ههههه!
ردت فوزية بضيق
حرام عليك يا عبده متتريقش على بنتك هو أنت مفيش مرة تاخد بالك من كلامك معاها
في إيه يا ولية هو أنا بتكلم جد دا أنا بهزر.
ما هو اللي أنت فاكره هزار ده بيجرح بنتك ويأذيها من جوا خف عليها الله يخليك أنا قلبي وجعني عليها.
لوح عبد الشكور بيده وهو يشيح بوجهه مبرطما بكلمات غاضبة
هتعملي فيها حساسة ونيلة.. ولية خرفانة ونكدية هو أنا قولت إيه ع البت يعني
داخل المطبخ كانت سمية قد سمعت كل الحديث مسحت دموعها لتخفيها في قلبها متسائلة إلى متى ستظل تسمع سخرية أقرب الناس إليها لماذا يبررون جروحهم بأنها مجرد مزاح رفعت يديها بالدعاء
يارب ارحمني بقى وابعتلي نصيبي يارب يكون ابن حلال ويقبلني بشكلي.
على الطبلية البلدية القديمة كانت سمية تفطر مع والديها وهما يمزحان تارة ويتشاجران تارة أخرى بينما
ظلت هي صامتة تخشى التدخل فتطالها
انتي ولية لسانك طويل وأنا كان لازم أتجوز عليكي من زمان.
يا خويا اتجوز وروح شوف مين اللي ترضى بيك!
ليه يا ختي حد قالك إني قليل دا أنا راجل عندي زرع وبهايم راجل مقتدر مش زيك ولا زي أهلك المقشفين محدش فيهم يمتلك نص اللي عندي.
لا إله إلا الله هو أنت يا راجل أنت تموت لو مجبتش سيرة أهلي هما أهلي دول كانوا عملولك إيه بالظبط
بلوني بيكي.. ههههه!
انفجر ضاحكا بينما كانت زوجته تغلي غيظا أما سمية فكانت تتناول لقيمات صغيرة بتأنيب ضمير خائفة من زيادة وزنها. في تلك اللحظة دخل عليش حاملا ابنته وخلفه زوجته مايسة التي تتبختر بعباءتها الثمينة
صباح الخير يابا صباح الخير ياما.
ردت الأم فوزية بترحاب
صباح الخير يا بني تعالى كل.. تعالي يا نوسة تعالي افطري مع ستك يا بت.
هم عليش بإنزال ابنته لكن مايسة اعترضت قائلة
معلش يا حماتي بلاش الأكل من تاني دا أنا لسة مفطراها.
وما تفطر تاني وتالت ورابع هو إحنا أكلنا قليل يا مرات ابني دا الخير بسم الله ما شاء الله عندنا.
بابتسامة مستفزة نظرت مايسة إلى سمية وقالت
وافرض يعني الخير كتير نسيب البت تاكل بقى وتاخد راحتها لحد ما تكبر وجسمها يبقى زي العجل ساعتها منعرفش نلم اللحم.
كانت نكتة سمجة لكنها أضحكت زوجها ووالده عبد الشكور الذي نظر بغباء نحو ابنته. شعرت سمية بسكينة تطعن قلبها توقفت عن الأكل وحبست دموعها متظاهرة باللا مبالاة
الحمد لله أنا رايحة أفطر البهايم.
نادى والدها من خلفها
طب استني يا بت لمي الطبلية الأول.
تجاهلت نداءه ومضت في طريقها دون التفات كي لا يرى أحد دموعها التي غسلت وجهها. علق شقيقها بسخرية
شكلها يابا فهمت
أمال هو الكلام كان على مين
قالتها فوزية