بائع الذكريات حصري بقلم مايا خالد

لمحة نيوز

بائع الذكريات ماياخالد
​ياسر كان راجل وحيد، بيملك محل صغير وقديم في حارة ضيقة مش باينة من زحمة القاهرة. المحل مكنش بيبيع تحف ولا هدوم، كان مكتوب على يافطته الخشبية: "هنا نشتري الذكريات المؤلمة مايا خالد
​الناس كانت بتدخل له وهي مكسورة، اللي خسر حبيب، واللي ندمان على غلطة زمان. ياسر كان بيسمع الحكاية، ويحط إيده على "صندوق بلور" قديم، وفجأة الشخص يخرج ناسي الوجع تماماً، بس في المقابل بيفقد جزء من روحه، بيبقى زي "الآلة".ماياخالد
​في يوم، دخلت عليه "نور". كانت بنت عينيها مليانة دموع بس فيها بريق غريب. قالت له: "أنا مش عايزة أبيع ذكرياتي يا عم ياسر، أنا عايزة أشتري ذكريات حد تاني".
​ياسر استغرب جداً، دي أول مرة حد يطلب الطلب ده. نور كملت وقالت: "أبويا مات وهو زعلان مني، وأنا نسيته تماماً بسبب حادثة.. أنا عايزة أي ذكرى تخصه، حتى لو كانت توجعني".
​ياسر بدأ يفتش في صناديقه، ولقى ذكرى غريبة كان "أبو نور" نفسه هو اللي باعها قبل ما يموت بسنة! الذكرى كانت "سر" هو خباه عنها عشان يحميها، مش عشان يزعل منها.
​ياسر وقف قدام قرار صعب: هل يرجع لها الوجع عشان تعرف الحقيقة؟ ولا يسيبها تعيش "فاضية" من غير ماضي
ياسر بص لنور بتردد، وقال لها: "يا بنتي، الذكرى اللي أبوكي باعها كانت

غالية عليه قوي، بس هو دفع تمنها عشان يريحك أنتِ.. متأكدة إنك عايزة تشيلي الشيلة دي؟". نور هزت راسها بإصرار، ودموعها نزلت: "الوجع اللي أعرفه أحسن من الفراغ اللي بياكل في روحي".
​ياسين فتح الصندوق البلور، وطلعت منه هالة ضوئية خفيفة لمست جبين نور. فجأة، شافت نفسها وهي عندها 10 سنين، وشافت أبوها وهو بيمضي على تنازل عن كل ورثه وأملاكه لعمامها. السر مكانش إنه زعلان منها، السر إنه عمل كده عشان عمامها كانوا مهددين يحرموه منها أو ياخدوها منه بالقانون، فقرر يعيش فقير ويشتغل ليل نهار في السكوت عشان يفضل جنبها ويحميها، وطلب من "بائع الذكريات" إنه يمسح اللحظة دي من ذاكرتها عشان متكرهش أهلها وعشان متشوفش الذل اللي هو شافه في عيونهم.
​نور شهقت وهي شايفة أبوها في الذكرى وهو بيبتسم لها وتعبان، وبيقول لياسر: "امسح من عقل بنتي صورة فقري، وخليها تفتكرني بس وأنا بضحك". الوجع رجع لقلب نور، بس معاه رجع حب عظيم وفخر بأبوها اللي ضحى بكل حاجة عشانها.ماياخالد
​بصت لياسر وقالت له: "أنا دلوقتي فهمت ليه هو كان بيشتغل شغلتين، وليه مكنش بياكل عشان يجبلي لبس المدرسة.. أنا كنت فاكرة إنه مهمل، بس طلع بطل". ياسر ابتسم وسألها: "دلوقتي، عايزة تمسحي الوجع ده؟".
​نور مسحت دموعها وقالت بقوة: "لا،
الوجع ده هو اللي هيخليني أقف على رجلي وأرجع حقه وحقي من اللي ظلمونا. الذكرى دي هي اللي خلتني (أنا) من جديد". خرجت نور من المحل وهي مشية مشية واحدة تانية خالص، مشية حد عنده هدف، وسابت ياسر بيبص وراها وهو حاسس لأول مرة إن محله ممكن يبيع "أمل" مش بس يشتري "وجع".
​ياسر قفل محله ليلتها، وشال اليافطة القديمة، وكتب بالدهان الأبيض: "هنا نصالح الحاضر مع الماضي".
بعد ما نور خرجت، ياسر فضل قاعد في ركن المحل، بيفكر في "الصندوق البلور" اللي لسه فيه آلاف الحكايات المركونة. فجأة، سمع صوت خبط قوي على الباب، رغم إنه كان خلاص قفل. فتح الباب لقى شاب في التلاتينات، هدومه غالية جداً بس متبهدلة، ونفسه مقطوع.
​الشاب ده كان "آدم"، ابن واحد من رجال الأعمال اللي عمام نور كانوا شغالين معاهم. آدم دخل المحل وهو بيترعش وقال: "أنا عايز أبيع عمري كله.. مش بس ذكرى! أنا شفت جريمة وبسببها حياتي بتنهار، وكل ما أغمض عيني بشوف الضحية بتنادي عليا".
​ياسر هدي الشاب وقعده، وسأله: "الجريمة دي تخص مين؟". آدم رد بصوت واطي: "تخص ناس ظلموا واحد غلبان من سنين، والنهاردة بيحاولوا يكرروا نفس الظلم مع بنته.. أنا كنت حاضر وشفتهم وهما بيمضوا ورقة مزورة عشان ياخدوا باقي أرض كانت ملك أبوها".
​ياسر هنا فهم إن
القدر بعت آدم في نفس اللحظة اللي نور رجعت فيها ذاكرتها. ياسر بصله بحدة وقال له: "لو بعت الذكرى دي، الظلم هيفضل، وأنت هتعيش مرتاح بس (ميت) من جوه. لكن لو خليتها، ممكن تنقذ روح تانية".
​آدم سأله بحيرة: "بس أنا خايف.. هما واصلين وممكن يأذوني". ياسر ابتسم وطلع ورقة صغيرة كتب فيها عنوان "نور" وقال له: "الذكرى دي مش ملكك لوحدك، دي ملك البنت اللي حياتها بتتدمر دلوقتي. روح لها، واديها شهادتك، ووقتها بس وجعك هيروح من غير ما تبيع روحك ليا".
​آدم خد العنوان وخرج يجري، وفعلاً وصل لنور في الوقت اللي كانت قاعدة فيه بتخطط إزاي تبدأ مواجهتها مع عمامها. لما آدم حكى لها اللي شافه، وقدم لها النسخة الأصلية من الورقة اللي كان مخبيها، نور عرفت إن حق أبوها مش بس هيرجع، ده هيرجع بـ "فضيحة" لكل اللي خانوه.
​انتهت القصة بإن المحكمة حكمت لنور بكل أملاك أبوها، وعمامها خسروا كل حاجة. وفي يوم الافتتاح الكبير لشركة نور الجديدة، كان ياسر واقف بعيد، لابس بدلة شيك لأول مرة، ونور راحت له وحضنته وقالت له: "المحل بتاعك مكنش بيبيع ذكريات يا عم ياسر، كان بيبيع مرايا بنشوف فيها حقيقتنا".
​ياسر ضحك وقال لها: "الماضي يا بنتي زي السكينة، ممكن تذبحنا وممكن تقطع لنا الطريق عشان نمشي.. وأنتِ اخترتي تقطعي
الطريق
تمت
ماياخالد

تم نسخ الرابط