الستر حكايات مايا خالد الجزء الثاني

لمحة نيوز

بعد الخناقة الأخيرة دي والتحول اللي حصل في شخصية مريم، طارق مكنش قادر يستوعب إن "مريم المطيعة" اللي كانت بتبكي من كلمة، بقت بتبص له ببرود ميرمش لها جفن. السكوت ده كان بيجننه أكتر من الزعيق.
​في يوم من الأيام، طارق رجع البيت بلياقة غريبة، شايل شنط فاكهة وحاجات مكنش بيدخل بيها إلا بخناقة. دخل المطبخ ووقف جمب مريم وهي بتغلف أوردر سينابون مطلوب منها.
​طارق بنبرة هادية مفيهاش الحزبية بتاعة زمان: "ما شاء الله، الشغل ماشي حلو أهو يا مريم.. بس مش شايفة إنك مقصرة في حق بيتك وجوزك بسبب اللف والتوصيل ده؟ وبعدين الفلوس اللي بتدخليها دي، مش الأولى بيها بيتك عشان نخفف الحمل شوية؟"
​مريم بصتله من فوق لتحت بابتسامة باهتة: "بيتي أنا شايلة مصاريف عيالي ودروسهم منه يا طارق، والقرش اللي بطلعه طالع من شقايا وتعب سهر الليالي. أما أكلك وشربك ومصاريفك، فدي مسؤوليتك إنت كراجل.. وإلا تحب نرجع لدفاتر زمان ونحسب بالملح؟"
​الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. طارق حس إن هيبته اتهزت، والفلوس اللي كانت سلاحه عشان يذلها بيها، مبقتش تنفع. حاول يمد إيده تاني عشان يكسر عينها، بس مريم المرة دي وقفت مكانها،

ومسكت إيده بقوة وعينها فيها شرار: "المرة اللي فاتت أنا سكت عشان كنت لسه باقية على البيت، والنهارده لو إيدك دي اتمتت تاني، هكون في القسم وتقرير طبي وهخربها على دماغك، وأنا مبقاش عندي حاجة أخاف عليها.. جرب كده!"
​طارق خطى خطوة لورا، وعينه فيها ذهول. الخوف بدأ يتسرب لقلبه؛ الخوف من الفضيحة، والخوف من إنه يخسر الست اللي شايلة عنه وعن عياله كل حاجة من غير ما يتكلف مليم.
​مرت الشهور، ومروان ونور كبروا. مروان بقى في ثانوية عامة، ونور في إعدادي. مريم مكنتش بس بتصرف، دي كانت بتبني فيهم شخصيات قوية. كانت دايماً تقعد مع نور وتقولها: "يا بنتي، اوعي في يوم تعيشي عشان ترضي راجل على حساب كرامتك. اتعلمي واعملي لنفسك كيان وقيمة في المجتمع، عشان لما تتجوزي، تتجوزي عن حب واختيار، مش عشان تهربي من واقع لواقع ألعن منه."
​وبالفعل، السحر انقلب على الساحر. طارق مع الوقت بقى هو اللي بيحاول يرضيها، بقى يشتري طلبات البيت من غير ما يتكلم، ويدخل يقعد معاهم في الصالة ويحاول يفتح كلام، بس مريم كانت بتعامله زي "ضيف مقيم".. ليه كل الاحترام والواجب، بس ملوش مكان جوه قلبها.
​وفي يوم، وهي قاعدة
في بلكونة بيتها بتشرب شاي بعد يوم شغل طويل، بصت للسما واتنهدت تنهيدة راحة. افتكرت البوست اللي كتبته زمان وهي بتعيط في الضلمة، واكتشفت إن الوجع ده كان هو "القلم" اللي صحاها من الغيبوبة.
​البيوت مش دايماً بتعمر بالحب، ساعات بتعمر بالصبر والحدود. ومريم عرفت تاخد حقها تالت ومتلت، مش بالخناق والمحاكم، بس بإنها بقيت الشخص اللي محدش يقدر يستغنى عنه، وفي نفس الوقت، هي مستغنية عن الكل بالله وبشغلها. حكايات مايا خالد

ومرت الأيام، والوضع في البيت بقى أشبه بـ "هدنة مسلحة". طارق عايش معاهم وهو حاسس إنه غريب، كل ما يحاول يفرض سيطرته القديمة، يصطدم بحيطة سد من برود مريم وثقتها اللي بكتير من الأول.
​لحد ما جه اليوم اللي قلب الموازين كلها من تاني. مروان، ابنهم الكبير، نجح في الثانوية العامة وجاب مجموع يدخله هندسة. الفرحة دخلت البيت اللي مكنش بيعرف طعمها، ومريم بكت من قلبها، حست إن شقاها وسهرها وتعبها في عجن وخبز الحلويات منهارش في الأرض.
​في ليلة الحفلة البسيطة اللي مريم عملتها في البيت عشان تبارك لمروان وسط جيرانهم وأصحابهم، طارق وقف في نص الصالة وقال بصوت عالي قدام الكل:
"

مبروك يا بشمهندس.. رفعت راسي، والحمد لله إن مصاريف وتعب السنين دي كلها مجتش الأرض، وتعب أبوك مرحش هدر!"
​المعازيم باركوا، بس مريم بصت له بنظرة صامتة كسرت فرحته الكدابة. أول ما الناس مشيت والعيال دخلوا يناموا، طارق دخل المطبخ ورا مريم وهو متعصب:
​طارق: "أنتي هتعيشي عمرك كله تبصيلي النظرات دي قدام الناس؟ أنا أبوهم، ومن حقي أفرح وأقول إني تعبت!"
​مريم لفت له بكل هدوء وهي بتمسح الرخامة: "تعبت في إيه يا طارق؟ تعبت وأنت بتتحاسب معايا على القرش؟ ولا تعبت لما سيبتني أبيع حلويات للجيران عشان أدفع مصاريف دروسهم وأنت شايل فلوسك في البنك ومستخسرها في عيالك؟ الكلمة ليها أصول، واللي متعبش مياخدش لقطة النجاح."
​طارق اتهز، وفي لحظة غضب أعمى حب يرجع لأسلوبه القديم، صوته علي وزعق: "أنا الراجل هنا، والبيت ده بيتي، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل، بس عيالك مش هلمحوا مليم من فلوسي!"
​مريم مقاطعتوش، سابته لما خلص خالص، وبعدين طلعت ورقة من جيبها وحطتها قدامه على الترابيزة. طارق بص للورقة ولon وشها اتقلب.. ده عقد الشقة الجديدة اللي مريم اشتريتها من وراه، من قرشها وشقاها اللي حوشته طول
السنين اللي فاتت.

تم نسخ الرابط