الستر حكايات مايا خالد الجزء الثاني

لمحة نيوز

​مريم بقوة تزلزل الراجل: "الباب يفوت جمل فعلاً يا طارق.. بس أنا اللي همشي، ومش لوحدي، عيالي معايا. مروان ونور كبروا وفهموا كل حاجة، ومبقاش ينفع يعيشوا في بيئة مفيهاش أمان. الشقة دي باسمي، وجاهزة من كل شيء. أنا مكنتش مستنية منك مليم، أنا كنت مستنية عيالي يشدوا حيلهم عشان لما نمشي، نمشي وإحنا واقفين على رجلنا."
​طارق حس إن الأرض بتلف بيه. السلاح الأخير اللي كان مهددها بيه طول عمره، وهو "بيت أبوها الضيق ومعاشه البسيط"، مبقاش ليه وجود. مريم بنت لنفسها قصر من وسط رماد وجعها.
​طارق بصوت مرعوش ومكسور: "يعني إيه؟ هتهدي البيت وتفضحينا قدام الناس بعد العمر ده كله؟"
​مريم وهي بتشيل الشنطة اللي كانت مجهزاها: "أنا مهدتش البيت، أنت اللي هديته من أول يوم مديت إيدك عليا وبخلت فيه بلقمتك وحنيتك علينا. البيوت بتتبني بالمودة والرحمة، وأنت معرفتش منهم غير الاسم. عيالك هيجوا يزوروك ويسألوا عليك برّاً بيك وبأمر ربنا، إنما أنا.. حكايتي معاك خلصت من سنين، والنهاردة بقفل كتابها وبمضي على ورقة طلاقي."
​خرجت مريم وولادها وراها، مروان كان شايل شنطة أمه ونور ماسكة في إيدها، ومحدش فيهم بص وراه.
​سابت طارق لوحده في الصالة الضلمة، يدور على السيطرة والهيبة اللي ضيعهم بأيده، واكتشف متأخر جداً إن اللي
بيجي على بنت أصول وبيفتري عليها وهي ضعيفة، لازم يستحمل لما تدور الأيام وتقف على رجلها وهي قوية.. لأن الوجع مبيتمسيش، والست اللي بتصنع نفسها بنفسها، مبيكسرهاش غياب راجل.

مرت سنة كاملة على اليوم اللي قفلت فيه مريم الباب وراها. سنة بحالها مفيش فيها ليلة واحدة نامت فيها وهي خايفة من بكرة، أو عياطها كاتماه في المخدة عشان العيال ميسمعوش.
​الشقة الجديدة كانت دافية، ريحة الفانيليا والمعجنات كانت مالي المكان، والجروب الأونلاين بتاعها اتقلب لبراند محلي معروف في المنطقة كلها. مريم مبقتش مجرد ست بتسد خانة، دي بقت "صاحبة عمل" وليها اسمها. مروان دخل هندسة وبقى شايل شيلتها، ونور في مدرستها متفوقة ووشها ردت فيه الروح بعد ما الغمة انزاحت عن البيت.
​في المقابل، طارق كان عايش في البيت الكبير لوحده. البيت اللي كان دايماً بيشتكي من كركبته وصوت العيال فيه، بقى شبه المقبرة. الحيطان باردة، ومفيش لقمة نظيفة ياكلها. البخل اللي كان بيمارسه على مريم وعياله ارتد عليه؛ بقى يدفع دبل اللي كان بيستخسره فيهم للدليفري وللست اللي بتيجي تنظف، ومفيش حاجة عاجباه.
​في يوم من الأيام، طارق تعب فجأة. جاله دور برد شديد قلب بنزلة شعبية حادة، ومكنش قادر يقوم من السرير يجيب لنفسه كباية مية. قعد يبص للموبايل بتردد،

اتصل بمروان.
​طارق بصوت تعبان ومكتوم: "يا مروان.. أنا تعبان يا ابني، ومش قادر أتحرك من السرير."
​مروان مكدبش خبر، رغم كل حاجة ده أبوه: "أنا جايلك فوراً يا بابا، مسافة السكة."
​مروان راح لِأبوه، أخد مريم معاها في الحساب من غير ما يقول لها، بس مريم عرفت من نظرة ابنها وهو نازل يجري. مروان جاب الدكتور لأبوه، واشترى العلاج، وقعد جمبه لحد ما السخونية نزلت. طارق وهو باصص لابنه وهو بيكب له الشوربة اللي مريم بعتتها معاه في "حافظة طعام" من غير ما تقول، دمعته نزلت.
​طارق بصوت مكسور: "أمك اللي عملت الأكل ده يا مروان؟"
​مروان سكت لحظة وبعدين قال: "أمي طول عمرها أصيلة يا بابا.. عمرها ما علمتنا نكرهك ولا نقسى عليك في تعبك، بس هي خلاص، شافت طريقها."
​طارق ندم الدنيا كله اتجمع في قلبه: "أنا ضيعتكم من إيدي يا ابني.. كنت فاكر إن الفلوس والتحكم هما اللي بيعملوا قيمة للراجل، مكنتش فاهم إن الستر الحقيقي هو لمتكم حواليا."
​لما طارق خف، حاول يروح لمريم مكان شغلها الجديد عشان يطلب منها السماح ويترجاها ترجع، ولو حتى عشان شكلهم قدام الناس والمجتمع.
​وقف قدام محلها الصغير اللي اتفتح جديد، شافها وهي واقفة بكل هيبة وسط شيفات وبنات بتشغلهم معاها، عيونها بتلمع بطاقة ونجاح عمره ما شافه فيها وهي في
بيته. دخل وطلب يتكلم معاها دقيقتين.
​طارق بإنكسار حقيقي ومحاولة أخيرة: "مريم.. أنا عرفت قيمتك وقيمة العيال. البيت من غيركم ضلمة، وأنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك وأغير كل معاملتي، بس ارجعي وافتحي صفحة جديدة."
​مريم بصت له بهدوء تام، نظرة مفيهاش غل ولا كره، بس فيها "استغناء" تام: "الصفحة الجديدة أنا فتحتها خلاص يا طارق من يوم ما خرجت من بابك.. بس فتحتها لنفسي ولعيالي. الشقة اللي عايز تكتبهالي، ربنا أغناني وبقى عندي أحسن منها من شقايا. طارق.. أنا مش زعلانة منك دلوقتي، بالعكس، أنا بشكرك.. لأن قسوتك وبخلك هما اللي عملوا مني الست القوية اللي واقفة قدامك دي. عيالك هيفضلوا يبروك، وأنا مسامحاك على اللي فات.. بس رجوع مش هيرجع، لأن مريم القديمة ماتت، ومفيش حد بيرجع للموت برجليه."
​طارق لف وضهره انحنى أكتر من الأول، وعرف إن في حاجات لما بتتنكسر مبينفعش معاها لزق، وإن الست لما بتشيل من قلبها، مبيرجعش فيه نقطة حنية واحدة للشخص اللي هانها.
​ومريم كملت طريقها، مشيت في وسط حارتها والكل بيشاور عليها بالبنان.. مش كـ "مطلقة" مكسورة الجناح، لأ.. كـ "بطلة" عرفت تشتري كرامتها وكرامة عيالها بصبر وأصول، وثبتت للدنيا كلها إن الست المسلمة بـ مية راجل لما تقع وتعرف تقف على رجلها تاني من غير ما تغضب
ربنا. حكايات مايا خالد

تم نسخ الرابط