قصة الامانة
قصة: أمانة الفقر وبركة الصبر
في زقاق ضيق بمدينة الكوفة القديمة، كان يعيش "منصور"، وهو رجل عرفه الناس بوقاره وصمته الطويل، يعمل حمالاً في الأسواق، يرفع الأثقال على ظهره ليطعم زوجته وطفليه. لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى كوخ متهالك، وسمعة طيبة كالمسك تفوح بين التجار.
في أحد الأيام، وبينما كان منصور يهمّ بالعودة لبيته، استوقفه تاجر كبير يُدعى "الحاج عبد الله". كان الحاج عبد الله يستعد لرحلة تجارية طويلة تمتد لأشهر عبر الصحراء، وكان قلقاً على أمانة غالية لديه. قال له: "يا منصور، لم أجد في هذه المدينة من أستأمنه على مالي غيرك. خذ هذا الصندوق الخشبي الصغير، احتفظ به عندك حتى أعود، ولا تفتحه مهما حدث".
وافق منصور، وحمل الصندوق وكأنه يحمل روحه بين يديه. وضعه في زاوية من كوخه، وغطاه بقطعة قماش قديمة، وأوصى زوجته ألا تقترب منه.
مرت الشهور الأولى بسلام، لكن القوافل بدأت تتأخر بسبب حروب أو قطاع طرق، وانقطعت أخبار الحاج عبد الله. وفي تلك الأثناء، اشتد الشتاء على مدينة الكوفة، وندر العمل في السوق، وأصبح منصور لا يجد ما يسد به رمق أطفاله.
في ليلة باردة،
ارتجف قلب منصور، ونظر إلى الصندوق الكامن في الظلام. كان الشيطان يهمس في أذنه: "أنت في اضطرار، والضرورات تبيح المحظورات، وصاحب المال غني ولن ينقصه درهم". اقترب منصور من الصندوق، ووضعت يده على القفل، لكن في تلك اللحظة تذكر آية سمعها في صلاة الفجر: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا)).
سحب يده بسرعة وكأن الصندوق نار تحرقه، وقال لزوجته بصوت يملؤه اليقين: "يا امرأة، الجوع يقتل الأجساد، لكن الخيانة تقتل الأرواح. والله لا أفتح صندوقاً أؤتمنت عليه ولو متنا جوعاً. إن الله هو الرزاق، ولن يضيعنا".
مر عام كامل، وتحول منصور من رجل فقير إلى رجل معدم. باع أثاث بيته البسيط، وبدأ يشتغل في تنظيف الشوارع ليؤمن لقمة واحدة في اليوم. كان الناس يسخرون منه ويقولون: "كيف تبيت جائعاً وعندك
لكن منصور كان يزداد إصراراً. كان يمسح الغبار عن الصندوق كل يوم ويدعو لصاحبه بالسلامة. وفي ذات ليلة، اشتد المرض بطفلته الصغيرة، ولم يجد ثمن الدواء. هنا بلغ الاختبار ذروته، بكت زوجته بحرقة، وكاد منصور أن يضعف، فقام وتوضأ وصلى ركعتين لله، وبكى في سجوده قائلاً: "اللهم إني أحفظ أمانة عبدك لأجلك، فلا تفتني في ديني ولا تفجعني في ولدي".
وما إن أنهى صلاته، حتى طرق بابه جاره، وكان قد ذبح شاة، فأعطاه نصيباً وافراً من اللحم وبعض المال كهدية، فاستبشر منصور وعلم أن الله لا ينسى من اتقاه.
بعد مرور عامين، وبينما كان منصور جالساً بباب كوخه، ظهرت قافلة كبيرة في أول الزقاق. كان الحاج عبد الله قد عاد أخيراً، لكنه بدا شاحباً ومتعباً. توجه مباشرة إلى بيت منصور.
ارتبك منصور، ودخل بسرعة وأحضر الصندوق وهو يرتجف من الفرح والأمانة. قال: "الحمد لله على سلامتك يا حاج، ها هو صندوقك كما وضعته بين يدي، لم يمسه إنس ولا جان".
نظر الحاج عبد الله إلى الصندوق، ثم نظر إلى حال منصور الرث وبؤس بيته، فدمعت عيناه. فتح الحاج عبد الله
قال الحاج عبد الله بصوت متهدج: "يا منصور، قبل أن أسافر، كنت أبحث عن رجل صادق لأجعله شريكاً لي في تجارتي. وضعت هذه الحجارة في الصندوق وأودعتها عندك كاختبار. لقد وصلتني أخبار فقرك وحاجتك وصبرك، وعلمت أنك رفضت مد يدك للمال رغم الضيق".
ثم أخرج الحاج عبد الله كيساً كبيراً من الذهب كان يخفيه في ثيابه، وضعه في يد منصور وقال: "هذا الصندوق كان يحمل حجارة، لكنه كشف لي عن جوهر قلبك. هذه الدنانير هي نصيبك من أرباح التجارة التي نويتها معك، وأنت منذ اليوم شريكي في كل مالي".
سقط منصور ساجداً لله باكياً، فقد رزقه الله من حيث لا يحتسب، ليس فقط بالمال، بل بحلاوة النصر على النفس والشيطان.
النصيحة
"الأمانة ليست مجرد حفظ للمال، بل هي اختبار لليقين بالله. فمن ترك شيئاً لله وهو في قمة الحاجة إليه، ساقه الله إليه طوعاً مع كرامة لا تُقدر بثمن. تذكر دائماً أن الرزق قد يتأخر، لكن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الأبواب التي تُغلق بالأمانة، تفتحها العناية الإلهية