قصة عن بر الوالدين
قصة عن بر الوالدين
في قرية هادئة تحيط بها مزارع الزيتون، عاش شاب يُدعى "سليمان" مع والده المسن الذي فقد بصره ووهن عظمة. كان سليمان في مقتبل العمر، يمتلك طموحاً يعانق السماء، وكان أصحابه يجهزون أنفسهم للسفر نحو المدينة الكبيرة بحثاً عن المال والجاه. عرضوا عليه اللحاق بهم، لكنه كان ينظر إلى والده الضعيف الذي لا يستطيع تناول طعامه دون مساعدة، فيبتسم لهم بأسى ويقول: "تجارتي هنا، ورزقي تحت قدمي هذا الشيخ".
لم يكن الأمر سهلاً، فقد كان والده في بعض الأيام يضيق صدره بكبر سنه، فيغضب بلا سبب، أو يكرر قصصه القديمة عشرات المرات في اليوم الواحد. كان سليمان يستمع في كل مرة وكأنها المرة الأولى، يضحك لنكاته، ويقبّل يده كلما قدم له كوب ماء. مرت سنوات عجاف على القرية، جفّت فيها الآبار، واضطر سليمان لبيع ممتلكاته
في إحدى الليالي، اشتد المرض بالوالد، وكان الطبيب الوحيد في المدينة البعيدة يطلب مبلغاً كبيراً. لم يتردد سليمان، حمل والده على ظهره وسار به وسط الجبال الوعرة والحر الهجير ليومين كاملين. كان والده يهذي من التعب ويقول: "يا بني، اتركني هنا واسترح، لقد أتعبتك معي"، فيرد سليمان وهو يلهث: "يا أبتِ، وهل يملّ الإنسان من حمل روحه؟ أنت من حملتني صغيراً على كفوف الراحة، فكيف أتركك وأنا في قوتي؟". وصل سليمان إلى المدينة، وباع أغلى ما يملك
مرت الأعوام، وتوفي الوالد وهو يرفع يده للسماء قائلاً: "اللهم إني راضٍ عنه فارضَ عنه، وأرِهِ برّ أبنائه به كما برّ بي". دارت عجلة الزمن، وأصبح سليمان شيخاً كبيراً، ودارت به الأيام حتى افتقر وضعف جسده. كان لديه ابن شاب يُدعى "يحيى". في أحد الأيام، احتاج سليمان لعملية جراحية عاجلة وتكلفة باهظة، وكان يظن أن ابنه لن يستطيع تأمينها. لكن يحيى فعل ما لم يتوقعه أحد؛ باع أرضه التي كان يخطط لبناء بيته عليها، وترك وظيفته المريحة ليبقى بجانب والده. وعندما سأله الناس: "لماذا تضحي بمستقبلك من أجل رجل هرم؟"، أجاب يحيى بكلمات هزت القلوب: "لقد رأيت والدي يبيع خاتمه من أجل جدي، ورأيته يحمله
وفي لحظة صدق، دخل طبيب جراح مشهور للمستشفى، وعندما علم بقصة يحيى ووالده، قرر إجراء العملية مجاناً، وقال لهما: "لقد سمعت عن برك بوالدك منذ كنت صغيراً في القرية، وكنت أتمنى يوماً أن أقابل الرجل الذي ضرب أروع أمثال الوفاء". خرج سليمان من المستشفى معافى، يحيط به ابنه الذي صار يخدمه بحب وشغف، تماماً كما كان يفعل هو مع والده منذ عقود.
النصيحة:
"بر الوالدين ليس مجرد خُلُق، بل هو قانون إلهي في الأرض؛ ما تفعله اليوم بوالديك هو السيناريو الذي سيكتبه لك أبناؤك في مستقبلك. لا تبحث عن البركة في المال والجاه وأنت تقصر في حقّ بابين من أبواب الجنة. تذكر أن الوالدين هما الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبداً."