يحكى أن في ايام الشتا
في صباحٍ غائمٍ من أيام الشتاء، حين كانت المدينة لا تزال تتثاءب بعد ليلٍ طويل، جلست فتاة تُدعى ليال في المقعد الأخير من حافلة النقل العام المتجهة نحو وسط المدينة. كانت تحمل في يدها كتاباً صغيراً أكلت أطرافه كثرة القراءة، وفي عينيها بريق هادئ يوحي برضا غريب عن كل ما حولها. لم تكن تتزين كثيراً، ولا تُظهر اهتماماً بما يلبسه الناس أو بما يقولونه، بل كانت تكتفي بابتسامة خفيفة تُلقيها على الوجوه العابرة ثم تعود إلى صفحاتها وكأنها تغوص في عالم آخر.
كانت الحافلة تمضي في طريقها المزدحم بالضجيج والوجوه العابرة، حين توقفت عند محطة مكتظة، وصعدت منها امرأة مسنّة تحمل أكياساً كثيرة تكاد تغطي نصف جسدها. كانت تتنفس بصعوبة، وتبحث بعينيها عن مكان تجلس فيه. ما إن رأت المقعد الفارغ بجانب ليال حتى اندفعت نحوه بسرعة، فاصطدمت بكتف الفتاة، وسقطت بعض الأكياس على رجليها، وتناثرت منها ثمار برتقالٍ صغيرة تدحرجت بين الأقدام.
رفع بعض الركاب رؤوسهم مستنكرين هذا المشهد، وبعضهم تمتم بكلمات سخط، أما ليال فلم تنبس ببنت شفة، بل انحنت بهدوء وجمعت حبات البرتقال من الأرض، ثم أعادتها إلى كيس العجوز بابتسامة رقيقة قائلة:
– ها هي ذي يا خالة، لم يحدث شيء.
نظرت إليها العجوز في ارتباكٍ وامتنان وهمست:
– سامحيني يا ابنتي، لم أقصد أن أؤذيك.
فردّت ليال
– لا عليكِ، يبدو أنكِ متعبة، اجلسي وارتاحي.
لكن في مقدمة الحافلة، كان هناك رجل في منتصف العمر يرتدي معطفاً رمادياً، يراقب المشهد بغير رضا. قال بصوتٍ عالٍ يسمعه الجميع:
– عجباً، لمَ لمْ تقولي شيئاً لها؟ لقد كانت فوضوية للغاية! كان ينبغي أن تُنَبِّهيها، أو على الأقل تُظهري انزعاجك!
رفعت ليال رأسها نحوه، وابتسمت تلك الابتسامة التي تُطفئ غضباً وتشعل تفكيراً، ثم قالت بنبرة هادئة:
– ليست كل المواقف تستحق الجدال يا سيدي، فالرحلة قصيرة، وأنا سأنزل في المحطة القادمة.
ساد الصمت في الحافلة، حتى صوت المحرك خفت كأنه أُصيب بالدهشة. بعض الركاب تبادلوا النظرات، وآخرون انكمشوا في مقاعدهم وقد شعروا أن كلماتها لم تكن موجَّهة للعجوز وحدها، بل لهم جميعاً.
في تلك اللحظة، استدار الرجل نحو النافذة، وأخذ يحدّق في الزحام كأنه يرى الدنيا لأول مرة. قال بعد لحظات بصوتٍ منخفض:
– الرحلة قصيرة… نعم، ربما نحن ننسى ذلك كثيراً.
ابتسمت ليال، ثم عادت تقرأ من كتابها، بينما العجوز إلى جانبها كانت تمسح عينيها بطرف وشاحها دون أن تجرؤ على الكلام.
مرّت دقائق، وتوقفت الحافلة أمام المحطة التالية، فنهضت ليال، وجمعت حقيبتها، والتفتت إلى العجوز قائلة:
– تذكّري يا خالة، ما دامت رحلتنا قصيرة، فلنملأها بالعفو والرضا.
ثم نزلت من
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
ذلك الرجل الذي كان يراقبها – واسمه فارس – ظلّ صامتاً طوال الطريق، يشعر بشيء يضرب في أعماقه. كان رجلاً عصبيّاً، سريع الغضب، معروفاً في عمله بحدة لسانه وعدم تسامحه. كان يرى أن الحياة حرب يجب أن تنتصر فيها أو تُسحق. لكنّ كلمات الفتاة كانت كفيلة أن تهزّ تلك القناعة.
حين وصل إلى مكتبه في الشركة، جلس أمام نافذته الزجاجية الكبيرة، يتأمل الشارع المكتظ بالسيارات. هناك في الخارج، كان الناس يصرخون في وجه بعضهم بسبب موقف سيارة، والبائعون يتشاجرون على الزبائن، والعمال يتدافعون في ضيقٍ وضجر.
قال في نفسه:
– كم من الوقت نضيعه في الشجار على أشياء لا تستحق؟ كم مرة نسينا أن الرحلة قصيرة؟
وفي المساء، عاد إلى بيته حيث كانت زوجته نادين تنتظره بوجهٍ متعب من كثرة الخلافات اليومية التي لا تنتهي. جلست مقابله على المائدة وقالت بحذر:
– تأخرت اليوم كالعادة…
فأجابها بابتسامة غير معهودة منه:
– الطريق مزدحم يا نادين… والرحلة قصيرة.
نظرت إليه في دهشة وقالت:
– ماذا قلت؟
– قلت إن الرحلة قصيرة يا عزيزتي، فلنقضها بلا خلاف.
ومن تلك الليلة تغيّر فارس، صار يبتسم أكثر ويتحدث أقل، لا يجادل في كل صغيرة، ولا يرفع صوته كما كان يفعل. زملاؤه لاحظوا ذلك وقال أحدهم
– لعلّك التقيت حكيمًا غيّر نظرتك للحياة؟
فأجابهم بابتسامة غامضة:
– بل فتاةً في حافلةٍ علّمتني أن الرحلة قصيرة.
مرت الأيام، وتناقلت الحكاية من لسانٍ إلى لسان، وكل من سمعها وجد فيها شيئاً من نفسه. كانت ليال في مكانٍ آخر، تمشي في طريقها المعتاد نحو المكتبة، لا تدري أنها غيّرت حياة رجلٍ كان يعيش في عتمة الجدال.
ولم يكن أحد يعلم أن تلك الكلمات لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل كانت خلاصة حياةٍ مليئة بالتجارب. كانت ليال قد فقدت والدتها في حادثٍ قبل عامين فقط، يومها كانت غاضبة على كل شيء، تلعن الحظ والناس والقدر. لكن مع مرور الوقت، أدركت أن الغضب لا يعيد الراحلين، وأن الجدال لا يطيل الرحلة، بل يجعلها أكثر إرهاقاً. ومن يومها آمنت أن الهدوء ليس ضعفاً، بل حكمة من يعرف أن محطته قريبة.
في نهاية الحكاية، جلست ليال ذات مساءٍ على شاطئ البحر، والريح تعبث بشعرها الطويل، وقالت في نفسها:
– كلنا ركّاب في حافلةٍ كبيرة اسمها الحياة، بعضنا ينزل في المحطة الأولى، وبعضنا في الأخيرة، لكن لا أحد يبقى إلى الأبد. فلماذا لا نبتسم ونحن نمرّ؟ لماذا نحمل أمتعة الكره والجدال والخذلان، والرحلة قصيرة؟
حين تُثقل قلبك الخصومات، تذكّر أن الحافلة تمضي، وأن محطتك قد تكون أقرب مما تظن. لا تجعل كبرياءك يسرق منك لحظة صفاء، ولا تسمح للجدال أن يعكر