حين تصرخ المرأة لا تسمع صوتها بل اسمع وجعها
عنوان القصة: حين تصرخ المرأة لا تسمع صوتها بل اسمع وجعها
في أحد أحياء المدينة القديمة، حيث البيوت متلاصقة كقلوب أهلها، كانت تعيش امرأة تُدعى "نُهى"، في الثلاثين من عمرها، متزوجة من رجل يُدعى "باسل"، يعمل موظفًا في إحدى الدوائر الحكومية، يعود إلى بيته كل مساء منهكًا، يخلع حذاءه، يجلس أمام التلفاز، ويتناول طعامه بصمت، ثم ينام. أما نُهى، فكانت تبدأ يومها قبل شروق الشمس، تُحضّر الإفطار، تُوقظ الأطفال، تُنظّف البيت، تُغسل الملابس، تُراجع دروس الأبناء، تُعدّ الغداء، وتُتابع كل صغيرة وكبيرة في حياة الأسرة، دون أن تسمع كلمة شكر أو نظرة امتنان.
كانت نُهى تصرخ كثيرًا، يعلو صوتها في أرجاء البيت، فتارةً تصرخ على الأطفال حين يتشاجرون، وتارةً على زوجها حين يتجاهلها، وتارةً على نفسها حين تشعر بالعجز. وكان باسل يتذمّر من صراخها، يقول لها دائمًا: "أنتِ لا تعرفين
لكن باسل لم يكن يسمع، كان يرى في صراخها إزعاجًا، لا رسالة، وكان يظن أن المرأة التي تصرخ هي امرأة ناقصة العقل، لا تعرف كيف تُدير بيتًا، ولا كيف تُحافظ على هدوءه.
في أحد الأيام، مرضت نُهى، مرضًا مفاجئًا، أُدخلت على إثره إلى المستشفى، وبقيت هناك أسبوعًا كاملًا. في ذلك الأسبوع، عاش باسل تجربةً لم يعشها من قبل. استيقظ صباحًا ولم يجد الإفطار جاهزًا، بحث عن ملابس نظيفة فلم يجد، حاول أن يُحضّر طعامًا للأطفال فعجز، تأخّر عن عمله، عاد منهكًا ليجد البيت فوضى، الأطفال يصرخون، والبيت يئنّ من الإهمال.
بدأ يشعر بشيءٍ غريب، كأنّ البيت فقد روحه، كأنّ الجدران تبكي، كأنّ الهواء ثقيل. وفي المساء، جلس وحيدًا، يُفكّر، يتذكّر صراخ نُهى، يتذكّر
زارها في المستشفى، وجدها شاحبة الوجه، ضعيفة الجسد، لكنها حين رأته ابتسمت، وقالت له: "هل اشتقت إلى صراخي؟" سكت، ثم قال: "اشتقت إلى كل شيء، حتى صراخك، فقد أدركت أنه لم يكن صراخًا، بل كان نداء استغاثة، كان صوتًا يطلب المساعدة، كان وجعًا لا يُحتمل."
بكت نُهى، وقالت له: "أنا لا أصرخ لأنني أحبّ الصراخ، بل لأنني أختنق، لأنني أُحاول أن أُوازن بين كل شيء، بين أن أكون أمًّا مثالية، وزوجةً صالحة، وربة بيتٍ لا تُخطئ، وامرأةً لا تُهمل نفسها، لكنني أفشل، وأصرخ، لأنني لا أجد من يُمسك بيدي."
عاد باسل إلى البيت، وبدأ يُغيّر من نفسه، صار يُساعدها، يُحادثها، يُهديها وردةً كل أسبوع، يُحضّر معها الطعام، يُذاكر مع الأطفال، يُشاركها الحياة، لا يُراقبها من
ومع الوقت، قلّ صراخ نُهى، صار صوتها هادئًا، صار البيت أكثر دفئًا، وصار الحبّ يُزهر في زواياه.
وفي يومٍ من الأيام، جلس باسل يكتب رسالةً إلى نفسه، قال فيها:
"كنتُ أظن أن المرأة التي تصرخ هي امرأة مزعجة، لكنني اكتشفت أنها امرأة تُحارب وحدها، تُصارع الحياة دون سلاح، وتُحاول أن تُبقي البيت حيًّا، وهي تموت في كل زاوية. الصراخ ليس ضعفًا، بل هو صوتٌ لا يسمعه إلا من يُحبّ بصدق."
أيها القارئ الكريم
إنّ المرأة لا تصرخ عبثًا، ولا ترفع صوتها لتُزعجك، بل لأنها تُناديك، تُخبرك أنها تتألّم، أنها تحتاجك، أنها تُحاول أن تُبقي كل شيء على قيد الحياة، وهي تُنزف من الداخل
لا تكن أذنًا لا تسمع، ولا قلبًا لا يشعر، ولا عقلًا لا يُدرك
كن سندًا، كن رفيقًا، كن مرآةً ترى فيها تعبها، ويدًا تُمسك بها حين تسقط
فالصراخ ليس صوتًا يُزعجك، بل هو