فات الميعاد بقلم ماياخالد حصري

لمحة نيوز

مدرسته وعرف النادي اللي بيتدرب فيه. وبدأ يبعث هدايا مجهولة للمدرسة باسم فاعل خير للمتفوقين وكان سيف الصغير دايما هو المقصود. كان بيبعت كتب أدوات رياضة وحتى منح دراسية مدفوعة بالكامل للمستقبل من غير ما حد يعرف المصدر.
وفي يوم سيف الصغير كان لوحده في النادي بيستنى مامته سيف الأب قرب منه وقعد على دكة بعيدة وبدأ يتكلم معاه كأنه غريب.
سيف الأب إنت لعيب شاطر يا سيف باين عليك طالع بطل لمين
سيف الصغير ببراءة مامي بتقول إني طالع لبابا هو كان بطل ومات وهو بيدافع عننا.
سيف الأب حس بقلبه بيتعصر بس بلع غصته وابتسم وقال له طيب خليك دايما بطل زي ما هي شيفاك واوعى في يوم تزعلها عشان الست اللي زيك مامتك دي.. مابتتكررش.
سارة كانت واقفة بعيد وشافت المشهد. شافت سيف وهو بيتكلم مع ابنه بمنتهى الانكسار وشافت الدموع اللي بيحاول يداريها ورا نضارته. لفت وشها ومشت بس المرة دي مكنتش ماشية ببرود كان فيه جواها صراع. هي عارفة إنه سيف وعارفة إنه بيحاول بس الجرح كان غويط.
بعد أسبوع سيف لقى ظرف تحت باب بيته. فتحه
بإيد بترعش لقى ورقة مكتوب فيها سيف الصغير عنده بطولة سباحة يوم الجمعة الجاية الساعة 10 الصبح. مسموح لك تتفرج من المدرجات الأخيرة.. بس من غير ما يعرف إنت مين. ده آخر تنازل ممكن أقدمه مش عشانك.. عشان الحقيقة المرة إنك لسه موجود على قيد الحياة.
سيف مسك الورقة وباسها كأنها طوق نجاة. عرف إن الحرب اللي كسبها هي إنه اتغفر له جزء بسيط من ذنبه وإن وجوده في الضل أحسن مليون مرة من غيابه التام. قعد في المدرج الأخير شاف ابنه بياخد الميدالية وشاف سارة بتصقف بفخر. في اللحظة دي سيف فهم إن الحب مش بس إنك تمتلك اللي بتحبهم الحب ساعات بيبقى إنك تسيبهم يعيشوا بسلام.. حتى لو كنت إنت الثمن
بص للسماء وقال بصوت واطي الحمد لله.. ابني كبر بقلم ماياخالد بطل.
ونزل من المدرجات ومشي في الزحمة وهو حاسس لأول مرة من سنين إنه قادر يتنفس حتى لو كان هيعيش اللي فاضل من عمره غريب في حياة أغلى ناس عنده سيف فضل قاعد في المدرجات لحد ما النادي فضي تماما وسارة كانت لسه واقفة تحت بتلم حاجات ابنها. نزل السلالم بخطى مترددة ووقف
على بعد مترين منها. سارة مالتفتتش بس قالت بصوت واطي وهادي كنت عارفة إنك مش هتمشي قبل ما تحاول تتكلم.
سيف بص للأرض وقال أنا مش جاي أطلب رجوع ولا جاي أهد اللي بنيتيه. أنا بس كنت عايز أشكرك إنك مطلعتيهوش شبهي.. شكرا إنك ربيتيه يكون راجل بجد.
سارة لفت وبصت له ولأول مرة من سنين عيونهم اتلاقت من غير درع القسوة اللي كانت لبساه. قالت له سيف الوجع مبيتمسحش والشرخ اللي عملته زمان ساب علامة في كل ركن في حياتي. بس وأنا شيفاك النهاردة وقاعد في آخر صف خايف حتى تقرب عرفت إن الدنيا لفت وخدت لي حقي تالت ومتلت.
سيف قرب خطوة واحدة وصوته اتخنق سارة أنا مستعد أعيش عمري كله فاعل خير مجهول في حياتكم. بس أرجوكي بلاش تموتيني في نظره تاني. خليني أكون صديق قديم لبابا خليني أقدر أشوفه وهو بيكبر من غير ما استخبى في الضلمة.
سارة سكتت طويل بصت لابنها اللي كان بيجري بعيد مع أصحابه ورجعت بصت لسيف. تنهدت وقالت هنتفق اتفاق.. سيف الصغير هيفضل فاهم إن باباه بطل ومات. وإنت هتدخل حياتنا بصفتك الخال أو الصديق المقرب اللي
كان مسافر ورجع. هتاخد حقك في الرؤية بس مش هتاخد حقك في اللقب.. الأبوة فعل مش كلمة في شهادة ميلاد وإنت تنازلت عن الفعل ده من زمان.
سيف غمض عينه براحة وكأن جبل انزاح من فوق صدره. موافق.. موافق على أي حاجة المهم أكون جنبه.
في اللحظة دي سيف الصغير جري عليهم وهو بيضحك ومسك إيد سارة مامي يلا نمشي وبص لسيف الأب باستغراب وسأله هو عمو ده لسه تايه يا مامي
سارة بصت لسيف الأب بابتصة صافية لأول مرة وقالت لابنها لا يا حبيبي عمو لقى طريقه خلاص.. ده صاحب بابا القديم وهيكون معانا من النهاردة.
سيف الأب نزل لمستوى ابنه ومد إيده المرتعشة والولد حط إيده الصغيرة فيها. في اللحظة دي سيف حس إن الروح ردت فيه وعرف إن الفرصة الثانية مش دايما بتكون رجوع للماضي ساعات بتكون بداية جديدة خالص على نضافة وبثمن غالي بس يستاهل.
مشيوا الثلاثة مع بعض في ممر النادي سارة وسيف الصغير في ناحية وسيف الأب جنبهم بخطوة.. مش كزوج ولا كصاحب بيت بس كإنسان بيحاول يرمم اللي كسرته الأيام وهو عارف إن الطريق لسه طويل بس على الأقل.. مابقاش
لوحده.
تمت.

تم نسخ الرابط