سم في قلب صعيدية بقلم مايا خالد

لمحة نيوز

سم في قلب صعيدية مايا خالد
الضلمة كانت مغطية النجع كله، إلا من صوت نبض قلبها اللي كان بيسمع في ودنها زي دقات الطبل. زينب كانت بتجري وهي حافية، رجليها بتغرز في رملة الجبل ودموعها نازلة تحرق وشها. بصت وراها لآخر مرة على نور سراية جبل ، الراجل اللي سلمته روحها فجازاها بحكم الإعدام بتهمة هي بريئة منها زي براءة الذيب من دم ابن يعقوب.
حطت يدها على بطنها وبصوت واطي فيه قهر الدنيا كله قالت يا واخد حقي وحق ابني اللي لسه مشافش النور، انصره على اللي ظلم أمه. جبل فاكر إن الحكاية خلصت، بس الحكاية لسه بتبتدي.. والسر اللي شايلاه في حشاي هو اللي هيكسر كبرياءك يا جبل، وهيخليك تبكي دم بدل الدموع. 
مشيت وفي قلبها غل يكفي بلد، مشيت وهي عارفة إنها هترجع، بس مش زينب الطيبة والضعيفة.. هترجع والسم مالي عروقها، ومعاها الولد اللي شايل ملامح أبوه بالظبط، عشان يكون هو العقاب الحي اللي يعيش قدام عينه طول العمر وهو محروم منه عدت السنين، وزينب قدرت تبني لنفسها حياة تانية بعيد عن النجع، في قلب القاهرة، اتعلمت وقويت وبقت الست زينب اللي الكل بيعمل لها ألف حساب. لكن قلبها لسه هناك، في الصعيد، مستني لحظة الحساب.
وفي يوم، كان واقف قدامها ياسين .. نسخة طبق الأصل من أبوه جبل في وقفته، في حدة عينه، وحتى في نبرة صوته اللي بتزلزل الأرض.
ياسين يا أمة.. ليه كل ما أسألك عن أبوي تهربي من الكلام؟ ليه دايمًا تقوليلي إن حقي هاخده بيدي؟ 
زينب وهي بتبصله بنظرة فيها نصر ممزوج بوجع لأن أبوك يا ولدي هو اللي حكم عليّ بالموت وأنا شايلة فيك. أبوك هو جبل الهواري .. الراجل اللي النجع

كله بيخاف منه، بس هو هيترعب لما يشوفك واقف قدامه. 
ياسين بدهشة جبل الهواري؟ كبير النجع؟ وليه سيبناه يا أمة؟مايا خالد
زينب بصوت زي فحيح الأفعى سيبناه عشان نرجع له وإحنا أقوى منه. بكره يا ياسين هتنزل الصعيد، مش ك ابن هربان، لا.. هتنزل بصفتك الوريث اللي جاي يهد المعبد على اللي فيه. هتروح ومعاك الورق اللي يثبت إنك ابنه، والدم اللي في عروقك هو اللي هيتكلم. 
وفي الناحية تانية، في السراية، كان جبل قاعد في المندرة، ملامحه كبرت بس لسه هيبته موجودة، لكن عينه كان فيها لمعة حزن مابتنطفيش. كان ماسك شال زينب القديم اللي لسه محتفظ بيه.
جبل بين نفسه عشتي فين يا زينب؟ وهل كنتي خاينة بجد ولا أنا اللي ظلمت؟ السنين بتمر والشك بياكل في قلبي زي السوس، ونفسي قبل ما أموت أعرف الحقيقة. 
ميعرفش إن الحقيقة جاية له على رجلين ابنه اللي حرم نفسه منه سنين طويلة، وإن اللقاء اللي جاي مش هيبقى فيه سلام، هيبقى فيه حساب قديم وتار بايت الخبر نزل على النجع زي الصاعقة في مستثمر كبير جاي يشتري نص أراضي الناحية الغربية، وناوي يناطح السراية في عزها . جبل الهواري مكنش مصدق إن فيه حد يتجرأ ويدخل مملكته من غير إذن، فقرر يروح بنفسه يشوف مين ده اللي قلبه ميت.
يوم المقابلة، السراية كانت محتشدة بالرجالة، وجبل قاعد على الكرسي الكبير بعبايته وهيبته. وفجأة، دخلت عربية سوداء فخمة، ونزل منها شاب لابس بدلة شيك، بس مش البدلة هي اللي لفتت نظر جبل.. كانت المشية .
ياسين دخل المندرة، عينيه كانت بتجول في المكان ببرود، لحد ما وقعت في عين جبل. الصمت ساد، والكل كتم نفسه. جبل وقف لا
إرادي، حاسس بإن الأرض بتلف بيه، ملامح الشاب ده مش غريبة عليه.. ده كأنه شايف نفسه في المراية وهو عنده عشرين سنة.
جبل بصوت مهزوز لأول مرة أهلاً يا بشمهندس.. نورت نجع الهوارة. بس عاد، مغلّي يدك في الشرا ليه؟ كأنك قاصد تضايقنا؟ 
ياسين بابتسامة باردة فيها غل أنا مش جاي أضايق حد يا جبل بيه، أنا جاي أسترد أرضي .. الأرض اللي أمي اتهجرت منها وهي مظلومة. 
كلمة أمي وقعت على ودن جبل كأنها رصاصة. قرب منه جبل ويده بتترعش، وعينه جت على رقبة ياسين، وشاف الشامة اللي بتميز عيلة الهواري، واللي مستحيل تتزور.
جبل بهمس أنت مين؟ وأمك مين؟ 
في اللحظة دي، دخلت من باب المندرة ست لابسة أسود في أسود، شالها الحرير بيطير وراها، وراسها مرفوعة للسما. الكل وسع لها وهو مذهول.
زينب بصوت جهوري زلزل الحيطان ده ياسين جبل الهواري يا جبل.. البرهان اللي هربت بيه يوم ما حكمت عليّ بالموت. عشت عمرك كله تدور على وريث، بكبره عشان ييجي اليوم اللي ياخد فيه حق أمه منك. 
جبل رجع لورا خطوتين، قلبه وجعه بجد، وبص لياسين اللي كان بيبص له بكره، وبص لزينب اللي عيونها ماليانة شماتة.
جبل بندم زينب؟ أنتِ لسه عايشة؟ وده.. ده ولدي؟مايا خالد
زينب بقسوة ده الولد اللي رميته وهو نطفة، وجاي النهاردة عشان يهد ملكك ويمحي اسمك، زي ما حاولت تمحي شرفي. 
ياسين قرب من أبوه، ووشوشه في ودنه متفرحش بجيّتي يا حاج جبل.. أنا مش جاي أقولك يا بوي، أنا جاي أدفنك في الأرض اللي ظلمت فيها أمي. جبل حس بإن الحيطان بتضيق عليه، والمنادرة اللي طول عمره بيحكم فيها بالعدل والظلم، بقت سجن ضيق. بص لرجالة
النجع اللي واقفين مذهولين، وزعق فيهم بصوت طالع من محروق براااااا.. الكل برا! 
لما الكل خرج ومفضلش غير جبل وزينب وياسين، جبل قرب من ياسين وعينه ماليانة دموع محبوسة، مد يده عشان يلمس كتف ابنه، بس ياسين نفض يده بقوة خلت جبل يترنح.
ياسين بفحيح يدك دي اللي شايلة السلاح عشان تقتل أمي، متمسنيش.. أنا دمي منك، ودي الغلطة الوحيدة اللي مش هسامح ربي عليها. 
جبل بكسرة والله يا ولدي ما كنت أعرف.. الواشين والكلاب سمموا ودني، قالوا لي إن زينب شافت غيري، والورق والشهود كانوا قدامي زي الشمس. أنا عشت سنين بموت في اليوم ألف مرة، وكل ما أبص في خلقتك في المراية، كنت بفتكرها وألعن نفسي. 
زينب بضحكة مسمومة دلوقتي بقيت بتلعن نفسك؟ فين كان عقلك يا كبير الهوارة وأنت بتطردني في نص الليل؟ فين كانت رجولتك وأنا بستحلفك ب عرضك إنك تسمعني؟ أنت مكنتش عايز الحقيقة، أنت كنت عايز ترضي كبرياءك وبس. 
زينب قربت من جبل، وطلعت من شنطتها رصاصة قديمة، وحطتها في يده.
زينب فاكر دي؟ دي الرصاصة اللي جرت ورايا يومها وجت في كتفي. أنا محتفظة بيها سنين عشان أردها لقلبك بيدي.. بس لقيت إن ابني هو الرصاصة الأغلى، اللي هتقتل كرامتك وتورثك الندم وأنت حي مايا خالد
جبل بص لياسين بلهفة يا ولدي، السراية دي ملكك، والنجع كله تحت رجلك.. بس اديني فرصة واحدة أكفر عن ذنبي. 
ياسين ببرود يقتل السراية دي أنا هاخدها بوضوح القانون، والنجع ده أنا هشتري أراضيه فدان فدان لحد ما تبقى غريب فيه. أما بويا فده لقب مات يوم ما حاولت تقتل أمي. من النهاردة، أنا المنافس بتاعك، وأنا اللي هكسر
عينك قدام الخلق. 
ياسين
تم نسخ الرابط