سم في قلب صعيدية بقلم مايا خالد
المحتويات
لف ضهره ومشي بخطوات واثقة، وزينب وقفت لحظة قدام جبل، بصت في عينه المكسورة وقالت له السم اللي في قلبي يا جبل، ملوش ترياق.. دوق من نفس الكاس.
سابت جبل واقف في نص المندرة، رجليه مش شايلة جسمه، وقع على الكرسي الكبير وهو بيحس بشلل في حركته، مكنش عارف يفرح بإن عنده سبع زي ياسين، ولا يحزن بإن السبع ده جاي عشان ينهش في لحمه جبل فضل قاعد مكانه لساعات، ملامحه اللي كانت زي الصخر بدأت تتشقق. نده على دراعه اليمين، عطوة ، اللي دخل وهو رقبته في الأرض من هول اللي شافوه.
جبل بصوت مبحوح عطوة.. تجيب لي منصور الطحان من تحت طقاطيق الأرض. هو ده اللي شهد زور، هو ده اللي خلاني أرمي نوارة حياتي في النار. تجيبهولي حي أو ميت، النهاردة قبل بكرة!
على الناحية التانية، زينب كانت قاعدة في البيت اللي أجرته في طرف النجع، بيت بسيط بس هي خليته زي القلعة. ياسين كان واقف قدام الشباك بيبص على أراضي الهوارة والغل بياكل في قلبه.
ياسين ليه يا أمة محستش بالراحة لما شفت كسرة عينه؟ كنت فاكر إن ناري هتبرد، بس لقيت قلبي بيغلي أكتر.
زينب بصت له بقوة عشان الكسرة دي مش كفاية يا ياسين. اللي يكسر الوجع هو الذل . لازم يشوفك وأنت بتاخد منه كل حاجة،
وفجأة، الباب خبط بقوة. ياسين فتح وهو حاطط يده على سلاحه، لقى جبل واقف، من غير حراسة، من غير شال، ومن غير كبرياء.
جبل بص لياسين بنظرة استعطاف مش جاي أطلب سماح، أنا عارف إن ذنبي ملوش مغفرة. بس جاي أقولك حاجة واحدة.. الورق اللي معاك ده ملوش لازمة، أنا النهاردة تنازلت لك عن كل ما أملك بمحض إرادتي في الشهر العقاري. السراية،
زينب طلعت على صوته وقالت بسخرية فاكر إنك بفلوسك هتشتري سكوتنا؟ ولا فاكر إن الورث هيمحي دموع السنين؟
جبل بص لزينب بكسرة لا يا زينب، أنا بعمل كدة عشان لما أموت وأنا حاسس إن ساعتي قربت ميبقاش فيه حاجة تربطني بالدنيا غير إن ابني ياخد حقه وهو رافع راسه. أنا جبت لك منصور الطحان مربوط في السراية، والاعتراف اللي هيقوله قدام النجع كله بكره هو اللي هيرد لك اعتبارك قدام الخلق، وبعدها.. اعملوا فيّ اللي تعوزوه.
ياسين بص لأبوه وبص لأمه، لقى نفسه مشتت بين غله وبين دموع الراجل اللي شايل ملامحه. جبل سابهم ومشي وهو بيجر رجليه، وفي نص السكة وقع ساجد في الطين وهو بيصرخ صرخة مكتومة هزت النجع الليل في الصعيد ملوش أمان، صرخة جبل في وسط الطين خلت الكلاب تنبح في كل النجع. ياسين مكنش قادر يتحرك من مكانه، رجله متثبتة في الأرض، بس عينيه كانت بتراقب أبوه وهو بيحاول يقوم ويفشل.
زينب بصوت يرتعش سيبه يا ياسين.. خليه يدوق طعم العجز اللي دوّقهولي وأنا شايلة فيك ومش لاقية لقمة تبل ريقي.
بس ياسين، اللي رضع العزة من زينب، لقى نفسه من غير وعي بيجري ناحية أبوه. نزل على ركبه في الطين، ومد يده يسند جبل. جبل لما حس بلمسة يد ابنه، مسك فيها كأنه غريق لقى قشة.
جبل بصوت يادوب مسموع اقتلني يا ياسين.. بس متمشيش وتخليني لوحدي.. أنا شفت موتي في عيونك النهاردة، والموت على يدك رحمة.
ياسين بصوت غليظ ومخلوق قوم يا حاج جبل.. الموت راحة وأنت لسه حسابك معايا مخلصش. أنا مش عايز ورثك، ولا عايز سرايتك.. أنا عايزك
شاله ياسين بقوته، ودخله السراية وسط ذهول الحراس اللي مش عارفين يضربوا سلام لمين، للكبير القديم ولا للنسخة الشابة اللي شايله بوجع.
في المندرة، كان منصور الطحان مربوط وسلسلة الحديد في رقبته. أول ما شاف زينب داخلة وراهم، ووشها زي البدر في ليلة سودة، صرخ بخوف
حقك عليّ يا ست زينب! والله جبل هو اللي عمى عيني بفلوسه.. لأ، ده الواشين هم اللي لعبوا بدماغنا!
جبل، وهو مسنود على الكرسي، بص لمنصور بغل وقال
انطق يا كلب.. قول قدام ابني، مين اللي دفع لك عشان تزور الورق؟ مين اللي كان عايز يخلص من زينب ويحرق قلبي عليها؟
منصور وهو بيترعش كانت... كانت هنية مرتك التانية يا جبل بيه! هي اللي خافت زينب تجيب لك الولد وتورث السراية، فاتفقت معايا نرمي عليها تهمة الخيانة عشان تطلقها أو تقتلها وتخلص منها!
الكلمة نزلت على جبل زي مية النار. هنية ؟ اللي عايشة معاه في السراية سنين، اللي كانت بتواسي فيه وهي اللي دابحة قلبه؟
زينب وقفت قدام جبل، وابتسامة نصر مريرة على شفايفها
عرفت يا جبل؟ قتلتني وعشت مع القاتلة الحقيقية في بيت واحد. ظلمت اللي صانتك، وعمرت مع اللي خانتك في غيبتك. ده البرهان اللي كنت بتدور عليه، بس جه بعد ما العمر فات.
ياسين ساب يد أبوه، وبص له بنظرة أخيرة قبل ما يلتفت لمنصور الطحان وبصوت زي الرعد قال
أما أنت يا منصور.. فحسابك معايا أنا. والست هنية اللي في السراية فوق، تنزل هنا دلوقت بحجابها، عشان نتحاسب على الشرف اللي
رموها تحت رجلين جبل، اللي كان وشه قالب ألوان، عروق رقبته كانت هتنفجر من الغيظ والقهر. بص لها جبل بصة خلت ركبها تخبط في بعض، وبصوت طالع من قاع الجحيم قال
عشر سنين وأنا واخد الحية ؟ عشر سنين بآكل وأشرب معاكي وأنتِ اللي دبحتي عمري؟
هنية وهي بتبكي بشهقة مكتومة
سامحني يا جبل.. خفت، خفت تاخدك مني، خفت تجيب الولد وتنساني، أنا حبيتك واصل.. والحب بيعمي القلوب!
زينب قربت منها ودست راسها في الأرض بصوت واطي
الحب اللي يخليكي ترمي عرض ولية زيّك في الوحل ميبقاش حب، يبقى نجاسة. شفتي ربنا كبير كيف؟ لفيتي لفتك ورجعتي تحت رجلي، والولد اللي كنتِ خايفة منه، جه وواقف يهد السراية فوق راسك.
ياسين كان واقف بعيد، مربع إيده، عينه بتبدل بين أبوه المكسور وبين الست اللي كانت سبب في يتمه وهو حي. مشي بخطوات تقيلة لحد ما وقف قدام أبوه.
ياسين سمعت يا جبل بيه؟ سمعت الحقيقة اللي كانت تحت نخرتك وأنت عامل فيها كبير النجع؟ دلوقت، السراية دي ميدخلهاش واصل حد من ريحة الست دي. هنية تخرج من هنا بعبايتها اللي عليها، وتترمي في المخروبة اللي جت منها، والنجع كله يعرف إنها هي اللي خانت الأمانة.
جبل بصوت مكسور واللي تأمر بيه يا ولدي.. السراية دي من اللحظة دي، مفيهاش غير ست واحدة، هي زينب الهواري. قسماً بالله يا زينب، لو عايزة رقبتي سدادة
متابعة القراءة