قصة عبرة روايات مايا خالد
لم يكن جدي رجلاً عادياً؛ كان يغلق باب قبوه دائماً بمفتاح نحاسي قديم ويمنع أي شخص من الاقتراب منه، حتى توفي الأسبوع الماضي. وبينما كنا ننظف أغراضه، عثرت على ذلك المفتاح في جيبه الداخلي. فضولي دفعني لفتح القبو.. لكن ما وجدته بالداخل لم يكن مجرد صناديق قديمة أو ذكريات، بل كان شيئاً لا يمكن للعقل البشري تصديقه، شيئاً يغير تماماً كل ما كنت أعرفه عن عائلتي!
لم أكن أتوقع أن فتح باب خشبي بسيط سيجعلني أكتشف أن جدي لم يكن الشخص الذي ظنناه طوال سنوات حياته. الحقيقة كانت خلف هذا الباب، ولم تكن دماء العائلة هي التي تربطنا فقط.
قضيت ساعات أبحث في أوراق جدي القديمة حتى وجدت خريطة مرسومة في آخر صفحة من مذكراته. كانت تشير إلى زاوية محددة في القبو، خلف رفوف خشبية متآكلة. عندما أزحتها، وجدت بلاطة مختلفة عن بقية أرضية القبو. وبمجرد أن رفعتها، ظهر صندوق معدني أسود، ليس عليه أقفال، بل كان يفتح برمز سري غريب يشبه الحروف الهيروغليفية. فتحت الصندوق بيدي المرتجفتين، وبداخله وجدت شيئاً جعل قلبي يتوقف عن النبض: صورة فوتوغرافية التقطت عام 1920، يظهر فيها جدي وهو يقف بجانب شخص آخر، وكلاهما لم يتقدم بهما العمر ولو يوماً واحداً حتى يوم وفاته! ومع الصورة، كان هناك ظرف مكتوب عليه بخط يده: "إلى من يجد هذا.. أنت الآن في خطر، والوقت بدأ ينفد."
سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب من باب القبو، رغم أنني في المنزل بمفردي تماماً. وفجأة، انطفأت الأنوار وانطفأ معها هاتفي، وسمعت صوتاً يهمس خلف أذني مباشرة باسمي الحقيقي الذي لم أخبر به أحداً قط.. لقد اكتشفت سر جدي، ولكن يبدو أن من كانوا يراقبونه طوال هذه السنوات قد وجدوني أخيراً! هل يجب أن أفتح الباب وأواجههم؟ أم أهرب من النافذة الخلفية؟
تصلبت في مكاني،
عندما فتحت عيني، لم أجد أحداً، لكن الغرفة كانت قد تغيرت تماماً. تلك الرفوف الخشبية القديمة لم تعد موجودة، وبدلاً منها كانت هناك مرايا عملاقة تغطي الجدران الأربعة، وفي كل مرآة، لم أكن أرى انعكاسي أنا، بل كنت أرى انعكاسات لأشخاص مختلفين يعيشون حيوات غريبة في عصور زمنية متفرقة. وفي منتصف الغرفة، كان يقف شخص يرتدي معطفاً طويلاً ويحمل في يده ساعة جيب ذهبية تتوقف عقاربها عن الحركة وتعود للوراء بشكل جنوني.
التفت الشخص ببطء، وكان وجهه مغطى بقناع جلدي أسود. أشار بيده إلى الصندوق الذي فتحته، وقال بنبرة باردة كالثلج: "لقد فتحت الباب الذي كان يجب أن يبقى مغلقاً للأبد. أنت الآن لست في منزلك، ولست في عام 2026.. أنت في النقطة التي يتقاطع فيها كل شيء."
حاولت التراجع للخلف، لكن الأرض بدأت تتلاشى من تحت قدمي وكأنني أسقط في فراغ لا نهائي. وبينما كنت أسقط، رأيت جدي يظهر في إحدى المرايا، وكان يبتسم لي بحزن، ثم أخرج من جيبه مفتاحاً مشابهاً للمفتاح الذي وجدته، وكتب على زجاج المرآة بدمه: "لا تثق في الشخص الذي يقف خلفك، هو ليس غريباً.. هو أنت من المستقبل!"
انقطع الحبل الذي كان يربطني بالواقع، ووجدت نفسي أستيقظ على سريري، والصباح يغمر الغرفة. تنفست الصعداء ظناً مني أنه مجرد كابوس، لكن عندما نظرت إلى يدي، وجدت في قبضتها نفس المفتاح النحاسي القديم، وكان هناك رسالة مكتوبة بخط يدي على الوسادة: "المرة القادمة، لن أسمح لك بالهروب مرة أخرى."
رميت
ركضت نحو مرآة الخزانة الكبيرة في غرفتي، نظرت إلى انعكاسي، كنت شاحباً ومضطرباً. حاولت أن ألمس الزجاج، لكن يدي لم تصطدم بالسطح الصلب، بل غاصت فيه كما لو كانت مياهاً ساكنة. سحبت يدي مذعوراً، لكن شيئاً ما من الداخل جذبني بقوة! شعرت بقوة مغناطيسية هائلة تشدني نحو المرآة، بينما كان وجهي في الانعكاس يبتسم ابتسامة عريضة، ابتسامة لم تكن ابتسامتي أبداً.
الصوت نفسه عاد يتردد في أرجاء الغرفة، لكنه لم يعد همساً، بل كان صراخاً مدوياً يصدر من داخل رأسي: "أنت لست الشخص الذي يراقب، أنت الشخص الذي يتم مراقبته!". وفجأة، سحبتني القوة داخل المرآة. شعرت ببرودة شديدة، ثم ساد صمت مطبق.
وجدت نفسي واقفاً في غرفة تشبه غرفتي تماماً، لكن كل شيء فيها معكوس. الساعة على الجدار تدور عكس عقارب الساعة، والضوء قادم من مكان لا وجود لمصدره. في الزاوية، كان هناك رجل يجلس على كرسي هزاز، يغطي وجهه بجريدة قديمة. أنزل الجريدة ببطء، وتوقفت أنفاسي تماماً؛ لم يكن جدي، ولم يكن "أنا" من المستقبل.. كان الشخص الذي يظهر في كل الصور العائلية المفقودة، الشخص الذي كان يختبئ خلف كل أسرار عائلتي منذ قرن! نظر إليّ وقال بصوت هادئ ومخيف: "لقد تأخرت كثيراً، نحن ننتظر توقيعك على العقد منذ عام 1926".
أخرج من جيبه قلماً يبدو
تجمدت يداي في الهواء، لا أدري هل ألمس القلم أم أهرب. نظرت إلى وجه الرجل الذي يجلس أمامي، لم يكن وجهاً غريباً، بل كان نسخة مشوهة ومتقدمة في السن مني، تحمل ندبة عميقة على خدي الأيمن، نفس الندبة التي أصبت بها في طفولتي.
في تلك اللحظة، توقفت الساعة العكسية عن الحركة تماماً. ساد صمت مطبق لدرجة أنني كنت أسمع دقات قلبي وهي تتباطأ، وكأن الزمن نفسه بدأ يتجمد. قلت بصوتٍ مرتجف: "لماذا أنا؟ ولماذا جدي؟".
ابتسم الرجل ابتسامة خالية من الحياة، وقال: "عائلتنا لم تكن يوماً تحكم القدر، بل كانت تحرسه. الصندوق الذي فتحته في القبو كان 'ميزان الأرواح'. كل فرد من عائلتنا يوقع على هذا العقد ليحمل الثقل لستين عاماً، ثم يختار خلفاً له. جدي كان حارساً، وأبي هرب.. فجاء الدور عليك، ليس لأنك مختار، بل لأنك الوحيد الذي تجرأ على فتح الباب".
مددت يدي ببطء نحو القلم، لم يكن الأمر خوفاً من الاختفاء بقدر ما كان فضولاً قاتلاً لمعرفة الحقيقة. لكن بمجرد أن لمست سطح القلم البارد، اندلعت شرارة كهربائية زرقاء قذفتني بعيداً عن الطاولة. في تلك اللحظة، انفتحت الجدران من حولي وكأنها ستائر مسرح، ووجدت نفسي أقف فوق سطح منزلنا القديم، والرياح تعصف بشعري، والسماء ليست زرقاء، بل كانت مليئة بآلاف المرايا المعلقة في الهواء، وفي كل مرآة كنت أرى حياة مختلفة لعائلتي!
رأيت جدي يقف خلفي فجأة، لكنه لم يكن ميتاً هذه المرة. كان يرتدي ملابس قتالية غريبة، ويمسك بيده خنجراً يلمع بضوء أسود. همس في أذني بصوتٍ روايات مايا خالدحازم: "لا توقع! القلم لا يمنح القوة، القلم يسرق روحك ليُبقي المرايا