قصة عبرة روايات مايا خالد
وقعت، ستتحول أنت إلى السجين القادم، وسأظل أنا محبوساً في هذه الدورة للأبد!".
هنا، وجدت نفسي أمام خيار مستحيل: إما أن أطعن "النسخة" التي تجلس على الكرسي وأنهي لعنة عائلتي، أو أطيع جدي وأخاطر بموته للأبد.
بدأت أسمع أصواتاً آتية من خلف المرايا.. أصوات عشرات الأجيال من عائلتي، يصرخون جميعاً بكلمة واحدة: "احذر.. الخائن ليس جدي، بل هو من يقف خلفه!"
التفتُّ بسرعة، وفي تلك اللحظة، رأيت الظل الذي كان يتحدث معي طوال الوقت يختفي في العدم، ليظهر مكانه كيان لا ملامح له، كيان كان يراقبنا جميعاً وينتظر هذه اللحظة بالذات ليخرج إلى عالمنا!
اندفعت نحو الكيان الذي لا ملامح له، لكن الخنجر مرّ من خلاله وكأنه يطعن دخاناً بارداً. لم يتأثر، بل أطلق ضحكة مكتومة هزت أركان المكان، صدى صوته كان يأتي من آلاف المرايا المعلقة في وقت واحد: "الحراس يموتون، والعهود تُنسى، لكن الظل باقٍ.. أنت لست الحارس الجديد، أنت القفل الذي سأكسره لأخرج!"
في تلك اللحظة، تحولت المرايا من حولي إلى شاشات تعرض مستقبلي؛ رأيت نفسي أجلس في القبو وحيداً، شعري أبيض، وعيناي باهتتان، وأمامي الصندوق الأسود ينتظر الضحية القادمة. ورأيت مشهداً آخر أهرب فيه من المنزل، لكن كل من أقابله في الشارع يملك وجه جدي الراحل، وكأن العالم كله أصبح سجناً من ذكرياته.
صرخ جدي: "اكسر المرآة
التفتُّ خلفي، كانت هناك مرآة ضخمة تتوسط السماء، تعكس صورة القبو الذي بدأت فيه الحكاية. رميت الخنجر بكل قوتي نحوها. بمجرد أن اصطدم الخنجر بالزجاج، لم ينكسر، بل امتص الخنجر وبدأ الزجاج ينزف حبراً أسود غطى السماء تدريجياً. الكيان بدأ يتلاشى، وجدي بدأ يتلاشى أيضاً وهو يبتسم لي للمرة الأخيرة قائلاً: "لقد أنهيت الدورة.. لكن الثمن سيكون غالياً."
استيقظت فجأة. كنت ملقىً على أرضية القبو الباردة، الضوء الخافت يتسلل من النافذة الصغيرة. نظرت حولي، كانت الغرفة خالية تماماً؛ لا صناديق، لا رفوف، ولا حتى مذكرات. كان القبو مجرد غرفة أسمنتية فارغة سكنها الغبار لسنوات.
نهضت بتثاقل وخرجت من القبو، صعدت إلى الصالة ووجدت هاتفي يضيء بإشعارات لا تتوقف. فتحت الرسائل، ووجدت رسالة من رقم مجهول أُرسلت منذ دقيقة واحدة فقط. كانت تحتوي على صورة لي وأنا نائم في القبو قبل لحظات، وتحتها جملة واحدة: "شكراً لأنك فتحت الباب.. نحن الآن في عالمك."
نظرت إلى المرآة الموجودة في الصالة لأتأكد من شكلي، لكنني صرخت ورجعت للخلف من الرعب. لم يكن هناك أي انعكاس لي في المرآة! أنا أقف أمامها، أتحرك، ألمسها، لكنني غير موجود في الزجاج.. وكأنني تركت روحي هناك، أو كأنني أصبحت أنا الكيان الذي لا ملامح له.
توقفت دقات الساعة في المنزل، وسمعت صوت طرقات
هل أفتح الباب لمن يدعي أنه جدي؟ أم أن "الظل" قد بدأ بالفعل باحتلال عالمي؟ انتظروا الجزء القادم لنكشف حقيقة ما يطرق الباب الآن!
تصلب جسدي أمام الباب الخارجي. طرقات "جدي" كانت تزداد عنفاً، لكنها لم تكن طرقات بشرية، كانت تبدو وكأن شيئاً صلباً جداً، ربما عظم أو حجر، يرتطم بالخشب. نظرت من ثقب الباب الصغير، ولم أرَ جدي.. رأيت سماءً حمراء غريبة، ورأيت كائناً يقف بظهره، يرتدي معطف جدي المفضل، لكن جسده كان يهتز بطريقة غير طبيعية، وكأنه يحاول تثبيت أعضائه في مكانها.
"افتح يا بني.. الجو بارد هنا بالخارج، والمرايا بدأت تلاحقني!" صرخ الصوت، لكن هذه المرة كان الصوت يصدر من الطابق العلوي ومن القبو ومن خلفي في آن واحد.
تراجعت ببطء نحو المطبخ، أمسكت بسكين، لكنني تذكرت أنني بلا انعكاس، مما يعني أنني ربما لم أعد أملك جسداً مادياً يؤثر في هذا العالم. فجأة، بدأت الجدران في الصالة تتشقق، وخرج منها حبر أسود كثيف، نفس الحبر الذي رأيته في المرآة الكبرى. الحبر بدأ يتشكل ليصنع "نسخاً" مني، عشرات النسخ التي تشبهني تماماً، لكن عيونهم كانت مجرد فجوات سوداء فارغة.
وقفوا جميعاً في دائرة حولي، وبدأوا يهمسون
في تلك اللحظة، انكسر الباب الخارجي وسقط أرضاً. دخل "الشيء" الذي كان يدعي أنه جدي، لكنه لم يكن يملك وجهاً، بل كان وجهه عبارة عن مرآة محطمة تعكس كل مخاوفي. اقترب مني ومد يده التي كانت تنزف زجاجاً مكسوراً وقال: "الخيار الأخير.. إما أن تعود للمرآة وتنقذ البشرية من هؤلاء، أو تبقى هنا وتصبح ملكاً لهذا الحطام."
نظرت إلى النسخ التي تشبهني، ثم نظرت إلى "جدي"، وفهمت الحقيقة المرة: لم يكن هناك عالم حقيقي وعالم مرايا، كان كل شيء عبارة عن وهم صنعه جدي ليحمي سراً أعظم. أخذت السكين وطعنت نفسي في قلبي، لم يخرج دم، بل خرج ضوء أبيض باهر غمر المنزل بالكامل.
فتحت عيني.. وجدت نفسي واقفاً في جنازة جدي، قبل أسبوع من الآن. كنت أحمل المفتاح النحاسي في جيبي، والناس يعزونني. نظرت إلى التابوت، ففتح جدي عيناً واحدة فقط وغمز لي بابتسامة غامضة، ثم أغمضها مرة أخرى.
هل كل ما حدث كان مجرد رؤية للمستقبل؟ أم أنني الآن أعيش داخل المرآة دون أن أشعر؟ تحسست جيبي، فوجدت ورقة صغيرة مكتوب فيها: "الدورة بدأت من جديد.. لا تفتح القبو يوم الثلاثاء."
واليوم هو الاثنين!
نهاية تركت الباب مفتوحاً..
النهاية