صراع الحب والوهم شروق مصطفى الفصل الثاني والثالث

لمحة نيوز

الفصل الثاني والثالث صراع الحب والوهم بقلم شروق مصطفى
لم تنظر اليه لأنها أخرجت النقود، وضعتها في يده قائلة بسرعة قبل أن تغادر من أمامه
شكراً... مش بقبل عوض.
توجهت نحو البحر، وجلست على أحد المقاعد المقابلة له. كانت تشكو إلى الموج كأنها تبوح له بهمومها، وتخرج من أعماقها اختناقًا.
بدأت تسترجع حياتها في أيامها مع والدها، وتستحضر ذكرياتهم الجميلة معًا. كانت ابنته وصديقته، وكل شيء له في الحياة.
أمسكت بهاتفها، تقلب بين صورهما، تبتسم وتدمع في اللحظة نفسها. شعرت بالتعب من أثر الحادثة، فنهضت عائدة إلى المنزل.
مديحة بقلق
مالك؟ وشّك مخطوف كده ليه وأصفر كمان إنتي كويسة؟
مايا، محاولة أن تبدو طبيعية
أنا كويسة والله، عادي... مفيش حاجة، شوية إرهاق بس.
مديحة
طيب، يلا... جهزتلك الأكل، تعالي ناكل سوا.
مايا برفض
لأ، مش قادرة والله آكل، هدخل أنام، ولما أصحى هاكل... سيبيني براحتي.
نظرت مديحة إلى حال ابنتها بقلة حيلة، وقالت في نفسها
كل يوم كده يا بنتي الصبر يا رب من عندك...
دخلت مايا إلى غرفتها، وكعادتها، غرقت في ذكرياتها. تحلم بوالدها وتنام كثيرًا.
في الشاليه، عاد صقر ليجد حمزة جالسًا ويتناول الطعام حتى قبل أن يأتي صديقه هتف مازحًا
تعالي تعالي، حماتك بتحبك! أنا جبتلنا أكل، لاقيتك اتأخرت، قولت أستناك برده.
رفع صقر حاجبه ساخرًا
لا، واضح أوي إنك استنتني!
ضحك حمزة وهو يرد بمرح
يعني على خفيف كده... المهم، إيه اللي حصل؟ وأنا بكلمك اتعصبت كده ليه؟ حد حصل له حاجة؟ مش تركز وانت بتسوق يا عم!
صقر
أنا مركز، هما اللي بيستعبطوا... بس بسيطة، المرة دي متقلقش.
أنهيا طعامهما، ثم نهض حمزة قائلًا
طب يلا بينا على الموقع.
ذهبا إلى موقع العمل، واطمأنا على العمال،

ونفّذا الخطط والتصاميم المطلوبة، ثم عادا إلى الشاليه ليرتاحا ويناما.
وقبل أن يغفو صقر، راجع في ذهنه ما حدث صباحًا. تذكر ارتباكها وخجلها، واعتزازها بنفسها حين رفضت أخذ المال منه. هزّ رأسه ونفض تلك الأفكار قائلًا في نفسه
كلهم بيبقوا كده في الأول، وبنتخدع في الآخر.
ثم غفا أخيرًا.
أما مايا، فقد استيقظت من نومها تبحث عن الطعام، جلست تأكل حتى شبعت، ثم أعدّت مشروبها المفضل نسكافيه، وجلست في الشرفة.
دخلت والدتها وجلست بجوارها، تحاول التهوين عليها، وأيضًا لتوقظها من صدمتها.
مديحة
وبعدين يعني... إمتى هتفوقي من اللي إنتي فيه ده؟ حتى شغلك بعد ما دوختي عقبال ما لاقيتيه، سبتيه فجأة! يا بنتي أنا عاوزة أطمن عليكي قبل ما أموت. فوقي بقى لحياتك... يعني انتي شايفاني أنا مبسوطة بحالك ده؟ أنا لو حصلي حاجة هتعملي إيه لوحدك؟ لازم تسندي على حاجة. انزلي دوري على شغل، لحد ما ييجي ابن الحلال اللي يطمني عليكي، ساعتها أحس إن ليكي ضهر يحميكي ويخاف عليكي.
مايابعد الشر عليكي يا حبيبتي، مقدرش أعيش من غيرك. مش فاضلي في الدنيا دي غيرك إنتي. أنا عايشة بيكي إنتي يا ماما... متقوليش كده تاني، لو سمحتي.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته وهي تشعر باختناق
أنا نفسيتي تعبانة أوي. عارفة الأمان اللي كنت حاسة بيه معاه؟ أي حد يتعرض لي أو يكلمني نص كلمة، كان هو يوقف له ويجيب لي حقي. هو سندي وضهري... أنا بخاف أنزل وأمشي لوحدي، ضهري اتكشف. أنا حاسة إني انكسرت أوي يا ماما... بس أنا محتاجة شوية وقت بس، وهحاول والله أرجع لحياتي تاني، واحدة واحدة... محتاجة شوية وقت بس.
أفرغت ما في قلبها، بينما كانت والدتها تحاول تهدئتها. ثم استأذنت لتدخل غرفتها، وأحضرت هاتفها، وكان عليه بعض تسجيلات
صوتية بصوت والدها، فاستمعت إليه، وابتسمت، ثم غفت لتحلم به.
استيقظت صباحًا، تحدثت قليلًا مع والدتها، ثم استأذنت للنزول في نزهة على شاطئ البحر. سارت قليلًا، ثم جلست في نفس المكان الذي اعتادت الجلوس فيه.
أخرجت المسجّل الصوتي، وبدأت تستمع إليه، ثم تحدثت إلى والدها كأنّه يجيبها، كأن الحوار بينهما حيّ. كانت مندمجة في الحديث، ودمعت عيناها حين بدأت تحكي له عن ضغوطها، وأنها لم تعد قادرة على استعادة حياتها من جديد.
لم تستوعب بعد أنها فقدته، وأنها لن تراه مرة أخرى...
وكل هذا، ولم تنتبه لمن كان يراقبها من بعيد.
والدها، بصوته المسجل
انتي فين يا حبيبتي؟ اتأخرتي ليه كده؟
مايا، بابتسامة باهتة وكأنها ترد عليه من أعماق قلبها
أنا قربت أخلص، هتصل بيك وأتابع معاك وأنا في الطريق، متقلقش. هخلص بس وأكلمك لما أركب.
والدها، في نهاية التسجيل
ماشي يا حبيبتي، ع مهلك... لا إله إلا الله.
مايا محمد رسول الله.
انتهى التسجيل، لكن حديث مايا لم ينتهِ. ظلّت تمسك بهاتفها، كأن والدها ما زال على الطرف الآخر، تكلمه من قلبها، بشوق متراكم وألم دفين.
مايا، بصوت مخنوق بالدموع
إنت فين يا حبيبي؟ إنت واحشتني أوي... واحشني حضنك أوي. نفسي أشوفك، ولو مرة واحدة... لكن إنت سبتني ومشيت، وأخدت كل حاجة حلوة معاك.
أنا مضغوطة أوي في البيت... محتجاك جنبي. نفسي ترجعلي ولو مرة واحدة أحضنك بس، وأنام في حضنك زي زمان... بحبك.
بح صوتها من كثرة البكاء، ثم همست
هكلمك تاني يا حبيبي... مع السلامة.
أغلقت الهاتف، وانفجرت في بكاءٍ صامتٍ مؤلم، ثم وقفت وتمشّت قليلًا، محاولة أن تهدأ، قبل أن تغادر المكان.
عند صقر قاد سيارته دون أن يخطط للذهاب الى اين، ليجد نفسه يسير باتجاه نفس المكان الذي رآها
فيه سابقًا. لم يكن يدرك سبب ذهابه، لكنه وجدها هناك، تجلس بنفس الوضعية، وتواجه البحر، ظهرها له.
اقترب منها، وكاد أن يناديها ليعتذر عن تصرفه وقت الحادثة، لكن فجأة، سمعها تتحدث... توقّف ليستمع. كانت تردد نفس الكلمات التي قالَتها قبل قليل، بصوتٍ منهارٍ، دون أن تعلم أن أحدًا يراقبها.
تجمّد مكانه، تفاجأ من فحوى كلامها، وشعر بوخزة في قلبه. تراجع خطوتين للخلف، انسحب بهدوء، دون أن يشعرها بوجوده.
ركب سيارته وهو بحالة عجيبة، يضغط على مقود السيارة بقوة، لم يفهم ما الذي يدور بداخله، ولا لماذا قادته قدماه إلى مكانها.
صقر حدث نفسه 
أكيد بتتكلم مع جوزها... أو حبيبها يعني... أو خطيبها! أنا زعلان ليه!
ثم ذهب إلى موقع العمل، راجع العمال، واطمأن على سير التنفيذ، ثم عاد إلى البيت.
أما مايا، عادت الى المنزل و نامت وهي مبتسمة، شاعرة ببعض الراحة، بعدما أفرغت جزءًا من ألمها. كانت في حاجة ماسّة إلى مَن يسمعها، تفضفض له. هي بطبعها كتومة، ولا أحد يستطيع أن يُخرج ما بداخلها بسهولة.
عاد صقر إلى منزله، يشعر بضيقٍ شديد، لم يكن قادرًا على تفسير حالته أو فهم سبب انزعاجه المتصاعد. لم يمضِ وقت طويل حتى حضر صديقه حمزة وجلس إلى جواره، يلاحظ بوضوح تغير حاله.
حمزة، بقلق
مالك يا صاحبي؟ حالك مش عاجبني... في إيه؟ احكيلي.
صقر، وهو يتنهد
أقولك إيه بس؟ أنا نفسي مش فاهم حاجة خالص.
حمزة
طب احكي... يمكن أقدر أساعدك.
بدأ صقر يحكي له تفاصيل ما حدث، بدايةً من الحادثة، وصورتها التي لم تغب عن تفكيره منذ ذلك اليوم، وكيف أنه تواصل مع أسامة ليعرف أخبارها، وما سمعه لاحقًا من حديثها جعله في صدمة.
صقر، بصدق واضح
بس يا سيدي، ودي كل حاجة... إنت عارفني، أنا مليش في اللف والدوران،
وفاهم حركات البنات اللي مش تمام وطريقتهم، بس دي... مختلفة في كل حاجة.
أنا رحت
تم نسخ الرابط