صراع الحب والوهم شروق مصطفى الفصل الثاني والثالث
من ناحيتها كانت قلقة من فكرة أن تبقى مايا وحدها، بابها مغلق دائمًا، لا أحد بجوارها، لا سند ولا ظهر. تخاف أن يحدث لها شيء ولا تجد من يساندها.
كانت تنتظر مكالمة ابنها لتطمئن، وتُحدد على أساسها خطوتها التالية. في رأسها، تخطط لجمع مايا والعريس معًا ليتقابلا ويتحدثا، على أمل أن يكون هناك قبول.
أما صقر، ففي هذين اليومين، كان قد تحدث مع والده ووالدته، وأخبرهما بأنه يرغب في الزواج، وأنه وجد فتاة مناسبة، ويريد أن يذهبا معه ليتقدم لها فرح والداه جدًا، فقد كانا يحلمان بهذا اليوم منذ زمن.
صقر صاحب شخصية قوية جدًا، جاد لأقصى درجة. والده يعتمد عليه اعتمادًا كليًا في العمل.
العمال يهابونه، والمهندسون يحسبون له ألف حساب.
وافق والداه على الفور، وسعدوا بالخبر سعادة غامرة، وبدأوا ينتظرون ميعاد المقابلة.
في بيت مديحة، تركت مايا على راحتها تمامًا، لم تسألها عمّا تفعل، لكنها تراقبها تذهب وتجيء، ترى أن عقلها مشغول بالتفكير.
فضلت أن تتركها دون ضغط، بينما تنتظر المكالمة المرتقبة من ابنها لتطمئن، ولترى ما ستفعله بعد ذلك.
رن هاتف مديحة، فأسرعت للرد.
كان ابنها على الخط، وصوته مليء بالشوق والمزاح المحبب
أيوه يا ست الكل، عاملة إيه؟ والبت مايا عاملة إيه؟
وحشتوني أوي أوي...
حمزة بيسألني عليكوا، وبيسأل على يويو بتاعته دي...اللي هتبقى أحلى عروسة إن شاء الله قريب!
مديحة رفعت الموبايل على أذنها وهي مبتسمة، مجرد سماع صوت ابنها عماد يُشعرها بالأمان
ميزو حبيب تيتة يا ناس! واحشني أوي بجد يا حبيبي. طمني... سألت أصحابك؟ قالوا لك إيه؟ طلع كويس؟
عماد بثقة
ما شاء الله عليه، شاب كويس جدًا، ومرتاحين ماديًا كمان وعيلته معروفة جدًا في مجال المقاولات والبناء... الهواري جروب وابنهم مهندس يُعتمد عليه، الصراحة الكل بيشكر في أخلاقه وأدبه.
توكلوا على الله يا أمي، وخليه يكلمني لما يكلمك عشان نتفق معاه على شوية حاجات كده لو فيه قبول، لحد ما أنزلكوا إن شاء الله.
مديحة بفرحة ورضا
والله كان قلبي حاسس إنه شاب كويس... وأختك الفقرية دي قال إيه؟ مش عاوزة، مش
عماد ضاحكًا
دلع بنات بقى يا أمي.
يلا، هقفل عشان الشغل.
مديحة بدعاء نابع من القلب
يا رب يجعلك في كل خطوة سلامة يا حبيبي. مع السلامة.
أغلقت الهاتف وهي تشعر بالراحة أخيرًا، وكأن حجرًا ثقيلًا زال من فوق صدرها.
الخطوة القادمة أصبحت واضحة إقناع مايا.
كان عليها أن تبدأ بتليين قلب ابنتها، وتمهيد الطريق للقاء.
عند صقر لم يهدأ له بال.
قرر أن المواجهة المباشرة أفضل، وأنه لا يجب أن يُفاجئ أهلها به وبعائلته دون تمهيد.
كان يريد أن يضع النقاط على الحروف معها أولًا، وأن يفهم موقفها الحقيقي دون وسطاء.
فرفع الهاتف واتصل بوالدتها و بصوت هادئ وواثق
مساء الخير، مع حضرتك صقر الهواري... فكراني؟ أنا اللي جيت طلبت إيد بنتك.
مديحة بترحيب
أهلا يا حبيبي، فكراك طبعًا. عامل إيه؟
صقربخير، الحمد لله.
بعد إذنك طبعًا... كنت حابب أقعد أتكلم مع بنت حضرتك قبل ما بابا وماما يزوروا حضرتكوا.
مديحةتنور يا بني في أي وقت... تعالى.
_ طيب بعد إذنك، ينفع أجي النهاردة؟
_ تنور يا بني، مستنياك.
صقر تمام هكلمك قبل ما أجي.
مديحة حاضر يا بني.
عند مايا كانت قد اتخذت قرارها. أرادت أن تخبر والدتها برغبتها في مغادرة المكان، والعودة إلى بيتهم في وسط البلد، فقد طالت الإقامة في بشالية أكثر مما ينبغي.
لكن قبل أن تصارحها، أحبت أن تنزل تتمشى قليلًا على البحر، وكأنها تودّع المكان، ثم تشتري بعض الحاجيات الناقصة من السوبر ماركت.
مامتي حبيبتي، أنا نازلة أجيب شوية حاجات من الماركت تحت وجاية.
مديحة طيب انزلي وتعالي بسرعة، ما تتأخريش.
الأم لم تُرد أن تخبرها بقدوم صقر، كانت تخشى من رد فعلها، ومن أن ترفض مقابلته من الأساس.
ربما إن تحدثا وجهًا لوجه، يحدث نوع من القبول.
مايا مازحة
حاضر يا ست الكل... انتي.
نزلت مايا، وبعد دقائق معدودة، اتصل صقر بمديحة وأخبرها أنه في الطريق، ثم أغلق المكالمة.
مديحة همست لنفسها بتضيق
يعني لازم يعني تنزلي دلوقتي تجيبي حاجات ده وقته
عند بدأت تتمشى على البحر أدخلت السماعات في أذنيها، وشغّلت أغاني حزينة للغاية.
كانت
استمرت في المشي دون وعي، وكأنها تهرب من الواقع بخطواتها، حتى شعرت باهتزاز هاتفها، فوجدت والدتها تتصل بها.
مديحة بحدة
كل ده انتي فين؟ اتأخرتي كده ليه؟
مايا بتعجب
إيه يا ماما مالك؟ أنا أول مرة أنزل... بتمشى شوية وهجيب حاجات وأنا راجعة.
مديحة بغضب واضح
طيب يلا تعالي بسرعة، في ناس هنا مستنينك.
ثم أغلقت الهاتف قبل أن توضح من هؤلاء الأشخاص.
مايا استغربت المكالمة، وقالت لنفسها بدهشة
ناس مين دول؟
ثم ضربت على رأسها بخفة بعدما نظرت حولها
ياه! كل ده أنا مشيتو؟! أنا بعدت... هي الساعة كام دلوقتي أوبا! كل ده؟
شروق مصطفى
عند صقر وصل إلى البيت، استقبلته مديحة ورحبت به بابتسامة.
مديحة بأحراج هي نزلت تجيب شوية حاجات من تحت، وراجعة على طول.
قدّمت له واجب الضيافة، وجلسا يتحدثان.
مع الوقت، بدأت تشعر بالراحة تجاهه، ووجدته شابًا هادئًا، لبقًا، ومتزنًا.
مرت نصف ساعة أخرى، وما زالت مايا لم تأتِ، وبدأ القلق يتسلل إلى قلب مديحة.
قامت من مكانها واتجهت إلى غرفة أخرى لتجري اتصالًا بها دون أن يسمع صقر.
مديحة منفعلة
كل ده! وبتقولي جايه؟
مايا ......
مديحة مش لازم فتح الله خلصي وتعالي.
أغلقت الهاتف وعادت إلى الغرفة بخجل وحرج.
أما صقر، فكان جالسًا في مكانه، يحاول تمالك أعصابه.
أمسك هاتفه واتصل بأسامة الذي كلّفه بمراقبة تحركاتها عن بُعد.
أسامة أيوه يا باشا؟
شروق_مصطفى
صقر قولي... بتعمل إيه دلوقتي؟
أسامة
كانت ماشية على البحر وبتتكلم في التليفون... ومنفعلة أوي.
صقر بنبرة حادة لكن بصوت منخفض
أزاي يعني منفعلة؟
أسامة
بتعيّط يا باشا... وبتتكلم في التليفون. بس هي وصلت الماركت وبتجيب حاجات من جوّه.
صقر
خلاص، يلا... سلام.
أغلق الهاتف بصمت، وكتم غضبه داخله.
كان يحاول السيطرة على أعصابه بصعوبة، واستعد تمامًا لمواجهتها فور دخولها.
مديحة عادت إلى الجلوس معه وقالت بهدوء
خلاص يا بني، جاية دلوقتي.
صقر بابتسامة لم تصل
براحتها.
بقلم شروق مصطفى
بعد قليل فتحت مايا الباب ودخلت تلقي الحقائب على الأرض، وقد بدا عليها التعب قائلة أنا جيت يا ماما
ولكن أنتبهت لصوت والدتها تتحدث بلطف.
تعالي يا حبيبتي، إحنا قاعدين هنا.
قامت مديحة من مكانها واتجهت نحو الباب لأدخالها عندما وجدتها لم تتحرك.
مايا بصوت منخفض
ناس مين دول اللي عندنا؟
مديحة بهدوء
ده صقر... اللي كلمتك عنه قبل كده. قولتلك إنه جاي يتقدملك، وجاي يتكلم معاكي دلوقتي.
همست الأخرى بغضب مكتوم
هو أنا مش قايلالك لأ؟ وقفلنا على الموضوع ده؟ إيه اللي جابه دلوقتي؟ خليه يمشي، وقوليله كل شيء قسمة ونصيب! ولا انتي بتحطيني قدام الأمر الواقع؟
مديحة بانفعال هي الأخرى
بقولك إيه... هتروحي تقعدي معاه وتتكلّموا. اتفضلي. ولينا كلامنا بعدين.
كل ذلك وصقر جالس، يتظاهر بالهدوء، لكنه سمع كل كلمة.
مديحة بصوت أعلى
تعالي يا حبيبتي، لو عاوزين تقعدوا في الفراندة، قعدتها حلوة أوي. وأنا قاعدة جنبكم هنا... لو احتجتوا حاجة.
وتركت باب الغرفة مفتوحًا وهي تجلس على مقربة منهم.
وقفت مايا في مكانها تتنهّد، وكانت تنوي إخباره بأنها آسفة، و غير مستعدة لهذه الخطوة في الوقت الحالي لكنها تفاجأت، وصُدمت حين التقت عيناها
بعينيه.
تجمّدت مكانها، ونظرت له بذهول
إيه ده! هو إنت؟! إنت إيه جابك هنا؟ وبتعمل إيه؟!
ابتسم صقر ابتسامة صفراء، ونظر إليها بنظرة انتصار، ثم لمس خده بإشارة خبيثة، وقال بابتسامة ماكرة
أهلاً بعروستي... اتفضلي جانبي!
مايا بتوتر
أيه! عروستك واتفضّل كمان؟! لأ أنت اللي هتتفضل وتمشي إنت بتحلم شكلك إنت مجنون... صح إنت عرفت البيت هنا إزاي أصلًا؟ وعاوز مني إيه؟
صقر بهدوء شديد وثقة، وهو جالس وقد واضعا ساقًا فوق الأخرى وأشار بأصبعه
أنا لو عاوز أعرف دبة النملة... هعرفه.
إنتِ ما تعرفينيش لسه.
مايا بغضب وأنا مش عاوزة أعرفك يا أخي هو عافية أنا داخلة أقولك كل شيء قسمة ونصيب، وهقول لماما إنه مفيش قبول بينا... وخلصنا
اتفضل بقى... امشي من هنا، لو سمحت.
صقر يتمالك نفسه بصعوبة
إنتي بتحلمي... إني أمشي أنا مش
ثم وقف ببطء أمامها، يحدّق في عينيها بنظرات خبيثة، وبدأ يقترب منها وووو
يتبع تفااعل يا حلوين لو عجبتك..