سر الجنازة

لمحة نيوز

فى اليوم ده ظهرِت قُدامي جنازة ماشية مش شايف فين أولها ولا آخرها من كُتر الناس اللى كانت موجودة فيها، وصوت واحد بيعيط هز قلبي وهو بيقول
روحك هتفضل عايشة جوانا كُلنا، ومهما عدا من السنين اسمك عمره ما هيموت يا راجل يا طيب.
وفجأة مسكت إيد أبويا وأنا مرعوب وسمعتُه بيهمس ويقول
هو ده السر، والله العظيم هو ده السر.
بصيت في عينيه وإيدي بتِترعِش
سر إيه يا بابا؟
عينيه بدأت تدمّع، وشاور على الراجل اللى الناس رايحه تِدفِنُه
سر مايعرفوش غير الشخص ده وربنا، سر خلى آلاف الناس دى تمشى فى جنازتُه علشان بس تودعه.
رديت ب استغراب
بس ده مات خلاص، هيستفاد ايه من الناس دى كلها؟
لاقيتُه حط إيده على رأسي وقال
ومين قالك إنه مات؟؟ الميّت عبارة عن شخص ماحدش جمبه يابني، الميّت ممكن يكون إنسان لسه عايش وسطنا وماحدش فاكرُه.
وراح باصص على الجنازة
تفتكر ده ممكن يكون ميّت!
بصيت على الجنازة اللى لسه ماشوفتش آخرها، وراقبت دموع الناس المحبوسة جوا عيونهم، وصوتهم وهما بيدعوله، ولهفتهم عليه وكإنهم بيودعوا حتة مِن قلبُهم
السر يا بابا!
أبويا وقف قدامى، ووطى باس راسي وقال
أعظم سر فى الدنيا يابني، دوّر عليه وفى يوم

هتوصلُّه، ولو عِرفتُه إضمن إنك هتفضل عايش جوا قلوب الناس ليوم الدين.
عيني بدأت تدمّع وأنا واقف قُدام صيدلية فى الشارِع لما إفتكرت الموقف ده، وتقريبًا دى كانت آخر حاجة فاكرها لأبويا وأنا صغير، وبعد كام سنة ربنا إختاره يكون جمبه
ومن اليوم ده ولحد دلوقتى، وأنا لسه بدوّر على السر وماعرفتوش.
مشيت لِ قُدام خطوتين لحد ما وقفت قُدام شعار الصيدلية، وبصيت على التِعبان اللى مرسوم عليه، برغم إنه كائن مؤذى وقادر إنه يموتنا، بس السِم بتاعه بيستخدموه فى أدوية كتير جدًا.
وكذلك الإنسان المؤذى فى حياتنا لو عرفنا نتعامل معاه صح هنقدّر نحوّل كل السواد والشر اللى جواه، لنور وشخص بيجرى على الخير ويساعد غيرُه.
كل حاجة ليها حل بس إحنا اللى مابنحاولش.
دخلت الصيدلية وأول ما صاحبها شافتى وقِف وابتسم
مديت إيدي اليمين ناحيتُه.
صباح الخير يا دكتور.
صباح النور يا أستاذ جابِر.
محتاج الدفتر بتاع حالات الشهر اللى فات بعد إذنك.
هز رأسُه وهو بيضحك
إتفضل.
مسكت الدفتر وشوفت كل الأدوية اللى إتصرفت الشهر اللى فات لحالات مش قادرة إنها تدفع تمن العِلاج، وأنا كُنت مُتكفِل بيهُم فى السِر مِن غير ما حتى الحالات دى تِعرف
مين اللى بيدفعلُهُم.
ومرة واحدة بصيت للدكتور ب استغراب
إيه ده أم نور بطلِت تصرف دوا لبنتها ليه! هى حصلها حاجة؟؟
الدكتور خرجت منه ابتسامة كبيرة جدًا وقال
نور خفِت والمرض الخبيث اللى عندها مات.
قلبي بدأ ينبض بسرعة، وعيني دمّعت وقُلت بصوت عالى
ياما أنت كريم يارب، ياما أنت كريم يارب، نور خفِّت بجد يا دكتور!!
وفجأة..
صوت ست كبيرة فى السن جاى مِن ورايا وهى بتعيط بِ حُرقة.
سيدنا النبى بيبلغك السلام.
جسمى إنتفض مِن مكانُه 
سيدنا النبي!!
دموعها بدأت تزيد أكتر
بنتى نور من أسبوع شافتُه فى المنام، بعد ما كانت نايمة بتعيط وفاقدة الأمل إنها تعيش يوم كمان لحد ما شافتُه، كان جميل أوي أوي يابني، جمال طلِتُه شوفته في عيون بنتي وهي بتحكيلي.
وبشرها إنها هتخِف، وإن كل واحد ساعدها ووقف جمبها ربنا مش هينساه وهيعوضه خير، وبلغها توصلهم السلام.
وساعتها جريت على الصيدلية وحكيت للدكتور على الحِلم علشان يقولى مين اللى بيدفعلنا الدوا، لحد ما قالى وعرفنى إنك بتيجي كل أول شهر، وأنا مستنياك من بدري جمب الصيدلية.
وراحت مقربّة منى خطوة، ودموعها شلال نازل من عينيها.
وحطت إيدها فوق قلبي اللى هينفجر مِن
شدة نبضاتُه.
خلى قلبك يهدى يابني، سيدنا النبي بيسلم عليك، سيدنا النبي بيحبك وبيبشرك بالعوض.
بالله عليك يابني قولى إيه السر اللي بينك وبين ربنا؟؟!
بدأت أعيط بِ حُرقة 
والله ماعرف، والله يا أم نور ما أعرف، وأنا صغير شوفت جنازة ماشى فيها ناس كتير، ومن ساعتها وأنا نفسى لما أموت يكون فيه ناس كتير بتحبني كدة، فبعمل خير على قد ما أقدر.
سيدنا النبي بيسلم عليا أنا!!
وصوت عياطى بقى أعلى
بالله عليكي يا أم نور بيسلم عليا أنا!!
هزت رأسها وهي بتضحك
أيوة يابني، كمل فى طريقك وربنا هيبهرك بالعوض، واللى أنت عملته معايا أنا وبنتي ده عمرنا ما هننساه واسمك هيفضل عايش جوانا إحنا وعيال عيالنا ليوم الدين، ويوم القيامة هقف قدام ربنا وأشاور عليك، وأقول هو ده يارب، هو ده اللى سندنا ووقف جمبنا، ف عوّضه برحمتك وكرمك يارب، عوضه واستُرُه زى ما سترنا.
عمرى ما هنساك يابني، والله عُمري.
وسابتني وبخطوات بطيئة مشيت لحد ما خرجت من الصيدلية.
دفعت كل الفلوس لباقي الحالات، وخرجت وفضلت ساعات طويلة ماشى سرحان لحد ما سمعت...
يابني أحفظ بقى أنت لو حُمار كان زمانك حفظت.
كان راجل عجوز قاعد جمب عيل صُغير وماسك مُصحف
بيحفظُه.
قربت مِنُهم بخطوات بطيئة وقُلت
عقبال ما تسمع القرآن
تم نسخ الرابط