لأجلها ل بنت الجنوب امل نصر 17_1
المحتويات
شقي.
وحد كان جبره يختارها غمغم بها حمزة قبل أن يسقط على الكرسي المقابل له مردفا باستفساره
وأنا جاي لمحت أمك ومنى داخلين عند مزيونة أكيد عندك خبر.
سمع منه معاذ ليشرق وجهه بابتسامة تتراقص لها عيناه قائلا بصوت خفيض
ما هو ده المشوار اللي هيجنن هالة عشان تعرفه! أمك اقتنعت أخيرا يا واد أبوي وراحت دلوك مع منى عشان يقنعوا ليلى وأمها.
آه... تمتم بها حمزة باستدراك ليعقب
جول كده بجى يعني انت دلوك باعت أمك وأختك على أساس إن مزيونة سهلة جوي توافق وبعد ما اتصدرت لبنتها في نص الطريق كمان واتحفتها بجلة حياك وربايتك
بهت معاذ وتوقف عن مضغ ما في فمه يردد بريبة وتوجس
كيف يعني هي ليلى جالت لأمها
أيوه يا حبيبي حكت لها والست وجفتني واشتكتني مزيونة غضبانة منك غضب شديد.
انفعل معاذ خلف كلمات شقيقه يردد بمظلومية
طب وافرض يعني! ما أنا طالبها في حلال ربنا تفوتها دي مدام غرضي شريف ودلوك تقتنع إن شاء الله لما تلاقي الموضوع دخل في الجد. منى وأمي أكيد هيقنعوها.
لاحت ابتسامة ساخرة من حمزة يعلق بنصح
طب وافرض أمها وافجت والعقدة بجت في أبوها أجيبلك من الآخر يا معاذ حل عقدتك عند ليلى نفسها.
اعتدل الأخير باهتمام شديد يريد المزيد من الإيضاح
إزاي ما أنا بدخل البيت من بابه أها امبارح ما ريحتنيش ولا ردت عليا قلت أثبتلها إني جد... أعمل إيه تاني
اقترب منه حمزة يشدد عليه بكلمات مقصودة حتى يضعها جيدا في رأسه
أنا عارف وهي نفسها أكيد عرفت بس المهم إن يبجى عندها الإرادة زيك... الطريق لليلى عند ليلى نفسها!
توقف يراقب تأثير الكلمات على شقيقه ومدى استيعابه لها ليستطرد بالأخيرة
الساعة داخلة على اتنين... ميعاد رجوعها من المدرسة.
لم ينتظر كثيرا حتى نهض معاذ سريعا من أمامه ليتناول هاتفه وأشياءه مرددا له
لما ترجع أمي ومنى ابجى طمني بالتليفون.
أومأ له حمزة يتركه يغادر ثم غمغم في أثره
الله يعينك يا واد أبوي... ويعينني أنا كمان.
........وفي منزل مزيونة التي التزمت الصمت منذ ان بدأوا في الحديث معها كانت تسمع فقط دون أن تشارك بسؤال أو استفسار حتى أثار ذلك ريبة المرأتين فعبرت منى عن مخاوفها
شكلك مش جابلة الموضوع يا مزيونة عشان كده سايبانا أنا وأمي نغني ونرد على بعضينا.
الموضوع مش كده يا منى.
أمال إيه بس يا بنيتي جاء التساؤل الأخير من المرأة حسنية ليزيد من ثقل ما يكتنفها حتى ابتعلت رمقها بتوتر شديد وحاولت الرد بلطف
يا حجة حسنية إنتي والحجة منى جيتكم والله على راسي من فوق. المهندس معاذ عريس تتمناه أي واحدة لبتها تعليم ومال وجمال وعيلة تشرف أي حد. ده كفاية
شهامة الأستاذ حمزة وجمايله اللي ما تتعدش.
عقبت منى بجدية
بغض النظر عن الأخيرة عشان ما بين الحبايب مفيش جمايل ولا كلام فاضي بس أنا هتكلم عن اللي جابليها... قولتيها بنفسك عريس تتمناه كل أم لبنتها بالمزايا اللي ذكرتيها. ده غير إننا جابلين بكل شروطك عشان عارفين غرضك الأساسي في تعليمها وولدنا مستعد يساعدها كمان...
تبسمت مزيونة بضعف تطالعها لعدة لحظات قبل أن تقول ببعض الحرج
مش عايزة أبقى جليلة ذوق معاكم والله بس الحتة الأخيرة دي نفس اللي اتقالت لأبويه... عرفان لما اتقدم حلف بالإيمان إنه هيخليني أكمل على الأقل شهادة الإعدادي. أنا آسفة طبعا في التشبيه متأخذونيش يا جماعة.
لاه يا مزيونة مش هنلومك ولا نقول فرق السما من الأرض ما بين ولدنا وبين اللي اسمه عرفان... بس ده معناه إنه راجل ما عندوش عهد. يبقى تصدقيه ولا تجبلي ترجعي له تاني كيف
قالتها منى بقصد صريح لتفيقها من مجرد التفكير حتى شعرت مزيونة بالحرج وأطرقت برأسها لتنال مني جزاءها بلكزة على خصرها من مرفق والدتها التي زجرتها بعينيها حتى لا تتدخل فيما لا يعنيها.
يعني من الآخر كده يا بتي... إنتي رافضة ولا موافقة ولا ناوية تدي نفسك فرصة للتفكير في كل الأحوال إحنا حبايب يا بنتي والود ما بينا موصول. ده كله جسمة ونصيب.
سحبت مزيونة شهيقا مطولا قبل أن تخرجه ثم تحدثت بصدق
اللي أقدر أجولهولكم يا جماعة... هو إنه لو عايزها يستناها على ما تخلص كليتها. ما تزعلوش مني. أنا مش عايزة بتي تكرر اللي جولته لأبويه بعد ما اتجوزت وانزاحت عن عيني الغشاوة ولما لقيت نفسي جدام مسؤولية أكبر من طاقتي... ساعتها قلتله ظلمتني يا أبوي... وفضلت الجملة معلقة معاه لحد ما مات وهو يقولي سامحيني... مش هتحملها والله لو سمعتها من بنتي
استني لحد ما تخلص كليتها! إزاي يعني!
هتف بها باستهجان عبر الهاتف لمحدثه ثم تابع بحزم بعد أن استمع لبقية الحديث الذي دار في منزل مزيونة
لاه يا حبيبي مش هصبر ولا ينفع معايا أصلا الكلام ده! أجفل دلوك وأنا هبجي أكمل معاك بعدين سلام.
أنهى مكالمته بعد أن انتبه لقدومها بملابس المدرسة من الطريق المؤدي إلى منزلها وقد اختار موقعه جيدا أسفل إحدى الشجيرات ليظل في مكانه حتى إذا اقتربت تفاجأت به أمامها فصدرت شهقتها
بسم الله الرحمن الرحيم! إنت تاني يا معاذ!
سمعها معاذ ليرد بإصرار
وتالت ورابع وخامس كمان! أنا مش ههدى غير لما أرسى معاكي على بر يا ليلى.
تكتفت تطالعه بحنق صامت ليستطرد قائلا
أمي وأختي يدوب طالعين من عند أمك بعد ما طلبوا يدك ليا عشان تعرفي إني مش بعاكس يا ليلى ولا بتسلى ولا ليا في الكلام ده أصلا.
فكت ذراعيها عن صدرها وقد استرعى كلامه انتباهها لتتساءل
وهي كان ردها إيه
كان ردها إني أصبر عليكي لما تخلصي كليتك يا ليلى.
لاح على ملامحها بعض الإحباط لتعقب ردا على قوله
وإيه الجديد ما هو ده العادي! ده رد أمي على أي حد يطلبني بعدين بجي خليني أعدي...
بس أنا مش أي حد يا ليلى!
صاح بها يمنعها من المرور فور أن همت بتخطيه ليواصل مشددا أمامها
أنا معاذ اللي هيتجوزك ومش بعد خمس سنين! لاه ده السنة دي ومش بعيد كمان الأيام الجاية!
والله ودي هتحصل إزاي إن شاء الله!
علقت بسخرية على كلماته ليجفلها بسؤاله
أفهم من كده إنك موافقة
أربكها بقوله لتذهل بأبصارها للحظات قبل أن تملك بأسها وتنهره
إيه الكلام الفاضي ده بعد من جدامي يا معاذ! خليني أروح بيتنا بدل ما أمي تقلق.
للمرة الثانية يمنعها من المرور وابتسامة أنارت وجهه بالفرح وهو يخاطبها بإصرار
لا مش ماشي يا ليلى غير لما تسمعي كل كلامي. لازم تعرفي إني هعمل المستحيل عشان تبجي في بيتي في أقرب وقت. هساعدك وهذاكرلك وهخليكي تدخلي الكلية اللي إنتي عايزاها ولو حصلت اذاكرلك زي العيال هعملها وهصبر عليكي. نجاحك هو نجاحي. في حاجة تاني أنا ناسيها
تعلم أن وعوده لها الآن ودون أي ارتباط رسمي هو ضرب من الجنون ومع ذلك وجدت نفسها مندمجة معه لتجيبه
أيوه في طبعا حاجات كتير إنت ناسيها! أهمها المسؤولية... مسؤولية راجل عايز اهتمام وخدمة في البيت أكل وشرب وتنضيف. أنا واعية على كل الأمور دي عشان أمي منبهاني عليها من الأول.
لو تعلم قدر سعادته باستجابتها لخجلت أن تكمل
كل اللي عايزاه هيصير. معاملتك في بيت أمك هتبقى نفس معاملتك في بيتي ويزيد عليها بس الدلع مني عشان هتبقي زي بنتي. ممكن تكوني شايفاها وعود وأحلام بس أنا مستعد أمضي عليها شروط جدام المأذون. حتى لو جوازي منك كله تعب أنا شاري تعبي معاكي. المهم إنتي بس توافجي وتريحيني.
ظلت على صمتها لبرهة عيناها الجميلة تطالعه بجرأة وكأنها تستشف منه الصدق. لقد أخذ الإجابة حتى وإن لم تنطقها. ينتظر فقط التأكيد والذي قد جاء بعد ذلك بنصف ابتسامة ماكرة راقص قلبه على إيقاعها قبل أن تقطعها بدلال فطري وتتخطاه ليتبعها بقوله
ليلى لو عندك أي حاجة صعبة في الدراسة جولي وأنا هتصرف. مش لازم تبجى المساعدة مباشرة.
بنصف التفاتة برأسها ردت عليه
لما أفكر الأول وأشووووف.
تنهد في إثرها ارتياحا يغمغم وعيناه تتابعها في طريقها الطويل دون كلل أو ملل
فكري مع نفسك براحتك أنا خلاص خدت الإجابة.
في المساء
وقد انتهى الرجال من يوم بناء جديد في منزله وتبقى فقط بعض الآثار من أدوات البناء التي يتم رفعها جلس هو يتابعهم وقلبه في الجهة المقابلة عيناه تتنقل نحو منزلها كل دقيقة في شوق قاتل لرؤيتها بعد لقاء أقرب للشجار صباحا.
لو تعلم أن بأفعالها البسيطة تلك تحيي بداخله أشياء ظن موتها منذ زمن تعيده لمرحلة المراهقة الانتظار في الطرقات التلهف لرؤية الحبيب والتساؤل هل يشعر به أم لا هل يبادله تلك المشاعر أم لا
اللعنة... بعض الأحيان يتمنى لو يملك نصف جنون شقيقه الأصغر حتى يفعل ما يريد ويحصل عليه لكن قدره أن يكون الكبير.
طل طيفها فجأة لتنتبه كل حواسه نحوها يراقبها فوق السطح تلقي بعض مخلفات برج الحمام الذي تراعيه. التقت عيناها بعينيه في تواصل بصري قطعته فجأة بخجل منها قبل أن تذهب من أمامه. ابتهج الفؤاد لرؤياها فنهض أخيرا تاركا محله وقد نال النظرة التي ظل ينتظرها منذ ساعات ليعطي اهتمامه للشيء الملح الآن ذلك الذي سوف يترتب عليه أمور مصيرية.
تناول هاتفه أولا واتصل بشخص ما والذي ما إن أجاب أصدر نحوه الأمر
خليك صاحي وجهز المطلوب أنا جايلك دلوك.
بعد قليل
وداخل البلدة التي لا تبعد عن بلدتهم سوى بعدد من القرى حيث مخبأه في منزل صديقه جمعة وقد كان نائما في هذا الوقت من الليل في انتظاره حتى يأتي من مناوبة المشفى يحمل له الطعام والسجائر وما ينقصه من احتياجات.
لا يدري ما الذي حدث حتى جعله يستيقظ من نومه فيفتح عينيه على أقصى اتساع وهو يرى مجموعة من الرجال يلتفون حوله يتوسطهم جمعة الذي قابله بابتسامة سمجة قائلا
معلش بجى يا صاحبي... هي جات كده!
رفع طرف شفته نحوه بازدراء قبل أن يلتفت لصاحب الصوت الحازم والذي عرفه من هيئته المتأنقة فارتفعت يده تلقائيا إلى جبهته موضع ضربة الرأس القوية التي حط بها تذكارا منه قبل ذلك ليخاطبه الآخر بابتسامة شر
عطوة باشا! وحشتني يا راجل.
داخل الغرفة التي تستذكر فيها دروسها ليلا
ورد إلى أسماعها فجأة صوت صهيل خيل ليس بغريب عنها. أرهفت السمع عند اقترابه أكثر وأكثر حتى شعرت بأنفاس الحصان في ظهرها ترافقه أصوات حك بالخشب لتنتفض من مكانها نحو النافذة القريبة خلفها تفتح شراعيها وتتوسع عيناها بذهول وانبهار وهي ترى رأس ذلك الكائن الجميل يمتد بفمه نحوها لتلتقط منه علبة مغلفة ملصق عليها كارت أبيض.
تناولته بلهفة تداعب وجهه بمرح مضاعف حتى إنها لم تقو على منع نفسها من تقبيله قبل أن تفاجأ بصوت صفير بشري جعله يرتد عائدا على الفور نحو مجنونها الذي كان ينتظره عند المجري المائي.
يطالعها بابتسامة صامتة بادلته إياها على استحياء لتتفحص الهدية المغلفة والتي كانت لوح شوكولاتة فاخر والظرف الأبيض مكتوب به
حاجة بسيطة عشان تساعدك على المذاكرة والنبي قبل الهدية
أمسكته بيدها لحظات بتردد قبل أن ترفع أبصارها إليه بنصف ابتسامة تغيظه ثم تعيد غلق النافذة بوجهه ليعتلي هو حصانه بحنق لا يخلو من مرح أيضا لقبولها هديته واضعا همه بالحصان هامسا له بحسد
أنا أتعب وأخطط وأشيل هم المغامرة وفي الآخر يتقفل الشباك في وشي وإنت تاخد البوسة على الجاهز يا ابن المحظوظة!
...يتبع
قولتلكم وصلوا الفصل لالفين وانا الحقكم باللي وراه على طول
شدو حيلكم المرة اللي فاتت قربنا بالفعل.
الفصل الثالث عشر
في زحمة الحياة يتأرجح قلبها بين حب يخفيه الحياء وخوف يبرره العقل. تقف عند حافة هذا التوازن تراقب خطواته المقتربة منها وتختلط مشاعرها بين الحاجة إليه والقلق من فقدانه. هي لا تطلب منه سوى أن يبقى أن يستمر في كونه ملاذها الهادئ تلك المساحة الصغيرة من الأمان التي لا تعرف سواها.
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس
الفصل الثالث عشر
من تشتريه بالمال اعلم أيضا أنه سوف يبيعك بالمال. هذا ما كان يعرفه جيدا ومع ذلك أعطاه الأمان ولم يتوقع منه الخيانة بهذه السرعة وخلال أيام معدودة. ذاك الذي يقف الآن بالقرب من الحائط مصوبا بصره نحوه ببرود مدهش يراقب التحقيق الذي يجرى معه وكأن الأمر لا يعنيه.
انطج ياض طلعت على بيت مزيونة وكنت عايز تدخله ليه سرجة ولا غرض تاااني
هدر بها حمزة حتى ارتعشت لها أطراف الآخر وهو يبتلع ريقه الجاف بصعوبة ليواصل الإنكار بإصرار
يا بوي معملتهاش ولا أجدر أنط على البيت أصلا. أحلف لكم بإيه عشان تصدجوني بس
كان حمزة في أوج غضبه يود فعل الأفاعيل به ولكنه يتحرى الصبر حتى يصل إلى غايته
مش هكلمك على الطلج اللي صاب رجلك ولا عينة الدم اللي رفعتها الحكومة وأثبتت إن الفصيلة تخصك. يعني كلها أدلة تدينك ومثبتة عليك يعني خلصانة.
دنا ليضغط بأنامل أصابعه الخشنة القاسية على جانبي فك الآخر حتى كاد أن يهشمهما ليهمس بفحيح وتوعد
حظك يا عطوة إنك متصاب في رجلك ومجادرش تمشي عليها إنما لولا كده كنت علجتك دلوك زي الدبيحة في مروحة السجف وأتسلى عليك الليلة كلها.
توقف برهة يشاهد الهلع الذي ارتسم على ملامح المذكور كلوحة بائسة بهتت ألوانها حتى أصبحت كشحوب الموتى ليعزز من هواجس تعبث برأسه
لآخر مرة بسألك يا حيوان كان للسرقة ولا لسبب تاني عرفان ليه يد معاك في الموضوع ده ولا لاه
سمع عطوة الأخيرة وكأنها طوق نجاة يتمسك به لينفد من يدي هذا المجنون قبل أن يزهق روحه إن واصل الضغط وأخذ الإجابة وهي طمعه الحقيقي بمزيونة الفاتنة وليس أي غرض آخر حتى ابنتها لا تشغله.
أيوه يا سعادة البيه عرفان هو اللي سلطني إني أفط على البيت وأهدد مزيونة وأخوفها عشان تجبل ترجع له لما تحس بالخطر.
حين تطول السنوات على الذنب الذي اقترفته ويطمئن جانبك من اكتشافه تتناساه بل ويغلبك الظن أنك لم تفعله من الأساس وأن النتائج التي ترتبت عليه من خسائر للبعض وفوز لك ما هو إلا إرادة القدر. والقدر بريء ممن ماتت ضمائرهم وزين لهم الشيطان أعمالهم.
سارت تسحب أطفالها بمرح داخل منزلها الذي دلفت إليه عائدة
لم تكن تعلم أنه هو أيضا كان في انتظارها في هذا الوقت على أحر من الجمر ليس حبا واشتياقا مثلها إنما لشيء آخر شيء أخطر من أن تتصوره. فهو أيضا استغل ذلك اليوم الذي فرغ فيه المنزل منها ومن أولاده في رحلة من البحث استغرقت منه نصف النهار حتى قلب الأثاث رأسا على عقب ليعثر في الأخير على غايته ويتأكد أخيرا من ظنه بعد سنوات من الغفلة قضاها مع امرأة سوداء القلب مثلها. ولتكن المفاجأة من نصيبها الآن وهي ترى منزلها بهذه الفوضى حينما قدمت إلى الطابق الذي يجمعها به
يا مري يا عرفان إيه اللي عمل في البيت كده مفيش كرسي جاعد مكانه! إيه اللي حصل يا بوي
تلقى سؤالها ليعلق بسخرية وهو واقف أمامها ببرود يكاد أن يجلطها
معلش أصلي كنت بلعب كورة مع نفسي لما لقيت البيت فاضي عليا.
رددت خلفه بملامح طفا عليها الريبة والاستهجان
تلعب كورة
تجاهلها بإعطاء انتباهه للأطفال وناولهم عددا من الأوراق المالية حتى ينصرفوا مهرولين نحو البائع في شارعهم من أجل ابتياع الحلوى ليخلو المنزل عليه وعليها. فتحرك داخلها الأمل لتتغاضى عن الفوضى التي أحدثها بالأثاث وتتذكر هيئتها الجديدة وزينتها فتبادره بحديثها
شكلك كنت فاضي صح وإحنا مش موجودين. يلا بجى مش مهم أبجى أرتب فيهم براحتي بعد كده. المهم إيه رأيك في النيولوك الجديد...
قطعتها بضحكة استفزته بسخافتها وهي تتابع
زي ما بيقولوا في المسلسلات بس أدينا بنقلدهم وخلاص. ده لسه كمان لما ألبس عليهم قميص النوم هتشوف إيه...
زفت.
قاطعها بها ليتابع بقسوة
هشوف إيه تاني يا بت هو إنتي خلقتك دي حد كان يبصلها أصلا من الأول
اجفلت بعدم استيعاب لفظاظته مرددة
عرفان إنت بتجول إيه
لم ينتظر المزيد من اللغو هجم عليها مباغتا على حين غرة دافعا إياها بكفه حتى ارتطم ظهرها بالحائط خلفها ثم ثبتها ليرفع بيده الحرة شيئا ما أمام عينيها ويسألها
تجدري تجوليلي إيه ده يا بت برقت عينيها تنظر إلى تلك القماشة المطوية على شيء ما بداخلها وقد انفكت الخياطة عنها لتخدع عينيها في البداية بعدم معرفته حتى كادت أن تحلف على ذلك قبل أن تتذكر أخيرا جريمتها المنسية لكثرة ما مر عليها من سنوات. ومع ذلك ليس لها خيار إلا الإنكار
إيه ده يا عرفان طلعته منين يا مراري... ليكون حد عاملنا عمل... آه...
ما كادت تنهي عبارتها حتى تلقت على وجنتها لطمة مدوية جعلتها تصرخ من شدتها قبل أن يجفلها بلف شعرها المصفف حول يده ليردد بشر مطلق
وهو في حد شيطان غيرك يجدر يعملها! بجى أنا... أنا عرفان الأشقر يتعملي أسحار وتندس في المخدة اللي بنام عليها بجالي سنين! أنا! يا ملعونة تكرهيني في مرتي وأهجرها بالسنين عشان خاطرك عملتي إيه تاني يا بتاعة الأسحار!
صرخت بألم تدافع وتواصل إنكارها
آآآه! مين بس اللي جالك الكلام ده مين اللي فتن واتبلى عليا ظلم أنا بنت خالتك يا عرفان مش غريبة عنك عشان أعمل حاجة عفشة زي دي!
ضغط بشدة حتى كاد أن يخلع الشعر من منبته متابعا
محدش جالي يا بوز الأخص! إنتي اللي الزمن غرك وخلاكي نسيتي إن المدعوج ده ليه مدة محددة وخلصت خلاص! عشان أصحى أنا لنفسي وعقلي يشتغل... أنا اللي غلبني الشك وجلبت البيت النهاردة عشان أعرف السر... لقيت العمل من غير ما حد يدلني على مكانه... خدته ورحت بيه على واحد من عينة اللي عملهولك عشان يفسر كل الكلام في الورقة اللي جواه... بجى تعمليه بالمحبة ليكي يا بومة وتخليني أكره مرتي اللي بحبها وبتي! أنا بتغفليني يا بت الفرطوس!
ليس لديها الآن إلا الدموع تترجاه بمظلومية زائفة
حرام عليك يا عرفان متصدقش! وحتى لو حصل هتبجى واحدة من الاتنين... يا أمي يا أمك! ما إنت عارفهم كانوا باكين عليك إزاي وعلى الغلب
اللي عايشه مع مزيونة المرضانة! أنا إيه ذنبي يا ناس
أيييوه!
تمتم باستدراك سريع ليزداد اشتعال رأسه بالتخمينات مردفا
جبتي سيرة مزيونة ومرضها! أنا إيه اللي يضمني إن مرضها كان طبيعي! ما يمكن كان بأعمالك برضو يا ملعونة! أنا هشربك العذاب ألوان يا صفا بحق كل اللي عملتيه في حجي وحق مزيونة! هعرفك زين عفاشة عرفان وأجيبها ست عليكي تشتغليلها خدامة انتي وعيالك!
ختم كلماته ليكيل لها اللكمات والضربات الموجعة في كل جسدها غير آبه بصراخها الذي ملأ الأرجاء حول المنزل ولا بتوسلات أطفاله على باب الشقة مع بعض الجيران التي تطوعت للتدخل حتى تفصل بينهما.
فلم ينجدها من بين يديه سوى تدخل الشرطة التي اقتحمت لتجفله بحضورها وتبعده أيدي الرجال عنها بحالة يرثى لها وكأنها على وشك الموت. فصرخ بهم موجها الاتهام للجميع
واحد و بيربي مرته إيه دخل الحكومة! ولا مين اللي اتصل بيها أصلا!
وجاء الرد من الضابط المسؤول
محدش اتصل ولا بلغ عن ضرب مرتك أصلا مع إن دي كمان جريمة تضاف على جريمتك.
بأنفاس لاهثة ردد بتشتت
جريمتي! جريمة إيه اللي عليا!
عاد إلى منزله أخيرا وألقى بجسده على الفراش يتأوه بتعب لكن يغمره شعور براحة لا تقدر بثمن بعدما أنجز مهمته وسلم المجرم الأول إلى الشرطة ليدل بدوره على المجرم الثاني ويتم القبض عليه هو الآخر في نفس الليلة.
ساعات قضاها مع الضابط المسؤول في مباشرة التحقيقات ولم يغادر المكان إلا بعد أن اطمأن برؤية شريكي الجريمة مكبلين بأصفاد السجن الحديدية. لو بيده لأذاقهما أضعاف العذاب مقابل كل لحظة من الرعب عاشتها هي وابنتها في تلك الليلة. ورب ضارة نافعة فبفضل تلك الأحداث نشط عقله ليخطط لبناء منزل الأحلام بجوارها ووجد حجته في القرب منها.
بقي له أن يرى رد فعلها حين تعرف بالخبر لا بد أن يرى ملامحها بنفسه. كيف له أن يصبر حتى الصباح ليخبرها
داخل قسم الشرطة
بعد ساعات من التحقيقات التي قضاها أمام الضابط المسؤول نفى واعترض وحاول بكل السبل أن يثبت براءته لكن لم يصدقه أحد. حتى في مواجهته مع ذلك الفاسد الذي افترى عليه أصر الأخير على اعترافه بشراكته معه بوقاحة منقطعة النظير. وحتى الآن لا يستوعب جرأته في رمي التهمة عليه لكن لا بأس فقد حان موعد زجه في زنزانة الاحتياط التي تجمع عددا من السجناء الجدد وكان هو من ضمنهم.
خش يا مسجون مع أصحابك وإياك أسمع لحد فيكم حس.
قالها رجل الأمن وهو يدفعه لينضم إلى المجموعة. قبل أن يغلق الباب الحديدي وقف في منتصف الغرفة يطالع وجوه المشتبه بهم المنشغلين بشؤونهم عن استقباله.
بتركيز شديد راح يبحث عن غريمه بينهم دارت عيناه يمينا ويسارا لتعود إلى نفس النقطة حتى
على الفور توجه إليه والتقطه من تلابيب ملابسه
بتداري نفسك عني فاكرني مش هعرف أجيبك يا جبان
وختم كلامه بلكمة قوية على فكه الأيسر كادت تطير صف أسنانه بالكامل ليصرخ عطوة متوجعا بصوت عال حتى التف حولهما الرجال يحاولون الفصل بينهما
جرى إيه يا جدعان في إيه صلوا على النبي.
جاهد عرفان لتخليص نفسه من أيدي الرجال الذين كبلوه عن الفتك بخصمه بينما راح الآخر يحتمي بعدد منهم يدافع عن نفسه بالزور والإنكار
بتضربني وتحط غلبك فيا طب أولي اتشطر على اللي لبسنا إحنا الاتنين لبعض عشان يخلاله الجو. أنا زيي زيك يا عرفان افهم بجى.
زيي فين يا نجس سيبوني يا ناس آخد فيه جناية أسهل لي. الواد ده...
قالها عرفان وهو يواصل محاولاته للإفلات من بين أيدي الرجال الذين ازدادوا تشبثا به شاعرين بالخطر المتفاقم تجاه الآخر الذي تابع بإصرار كي ينفي التهمة
أيوه يا عرفان زي ما بجولك أنا فيا كل العبر إلا الخيانة. بس الراجل اللي اسمه حمزة القناوي هو اللي سبكها زين جوي ولبسنا أنا وإنت مع بعض.
ارتخت ذراعا عرفان قليلا مع انتباهه للاسم البغيض على قلبه يردده باستفسار طبيعي
حمزة القناوي وإيه دخل حمزة القناوي بنصيبتك معايا دا انت بتتبلى عليا بعين جوية يا واض... سيبوني أخلص عليه!
والله أنا جولتلك وإنت عندك عقل تميز بيه.
قالها عطوة متابعا بث الفتنة باختلاق القصص حتى أسعفه الحظ بدخول رجل الأمن. وما إن رآه المذكور حتى صرخ مستنجدا به
الحقني يا شويش! الحقيني يا حكومة! هتحصل جريمة قتل النهاردة لو ما خلصتونيش من الراجل ده دا داخل مخصوص عشان يخلص عليا! الحقوني يا ناس!
وبالطبع أتى صراخه بنتيجة لينقل إلى زنزانة أخرى بعيدا عن أيدي عرفان الذي كان مصرا على ارتكاب جريمة. ترك عرفان وحده يصارع أفكاره بين غل وتوعد بالقضاء عليه وبين الحيرة التي اجتاحت رأسه بعد الفكرة التي زرعها عطوة في عقله عن حمزة القناوي ونيته للتخلص منه من أجل الحصول على زوجته.
في صباح اليوم التالي
أتى مبكرا قبل الجميع وقبل حضور رجال البناء مكتفيا بعدد قليل من ساعات الراحة. سحب طفله المشاكس حجة للقاءها وإخبارها بالجديد. ولحسن حظه كان هذا موعد خروج ليلى لمدرستها. وما إن رأت الصغير حتى تهلل وجهها في استقباله ببشاشتها
ريان باشا بحاله كده ع الصبح دا إيه الاصطباحة الجميلة دي بس
قابلها الصغير هو الآخر بابتسامة واندماج سريع لا يحدث إلا نادرا مع الغرباء. قبلته من وجنتيه قبل أن تغادر إلى مدرستها ليتقابل الوالد مع معذبته بعد أن خرجت هي أيضا على الصوت تستقبل الصغير وتدلله بفطرة أمومية يتقبلها ريان برحابة ويتلقاها هو براحة شديدة فتداعب الأماني الجميلة خيالاته.
وحين انصرف من جوارهم تحدث هو
عرفتي بالأخبار الجديدة
أخبار إيه
تلقى استفسارها برزانة شديدة وأجابها
امبارح الشرطة قبضت على اللي اتهجم على البيت. بعد التحريات والأدلة اللي جمعوها اتضح إنه عطوة... صاحب جوزك.
وقع تأثير الخبر علي ملامحها التي تقلصت بغضب فجاء ردها مفاجئا له
عديم الشرف! أني برضو كان جلبي حاسس عشان نبرة الصرخة المكتومة دي مكنتش بعيدة عن ودني.
طب وليه ما جولتيش على شكك ده للحكومة
عشان ما ينفعش أتكلم لمجرد شك مش يمكن يطلع بريء أو يطلع حد غيره اللي عملها
تمتمت بها ردا عليه لكن بداخلها كانت تجزم أنه هو. لكنها تعلمت من تجاربها أن أمثال عطوة لن يغلبوا في قلب الطاولة وربما يتهمونها باتهامات أخلاقية.
أردف يتحفها بالبقية
على العموم هو اعترف على اللي وزه واتقبض عليه هو التاني معاه.
مين
عرفان.
عرفان عرفان كيف يعني
قابل دهشتها بنوع من الحدة
وإيه الغريبة في كده دا عطوة بنفسه اعترف إنه هو اللي سلطه عشان يخوفك إنتي وبتك وتجبلي ترجعيله. أظن فهمتي دلوك الغرض من ورا مجموعة الإغراءات اللي قدمها لرجوعك ليه.
أومأت تدعي التفهم لكن حدسها كان عكس ذلك تماما. رغم منطقية الأسباب التي ذكرها إلا أن إحساسا ما بداخلها يكذب كل ما سمعته.
أما هو فقد استفزه شرودها وظن أن سبب صمتها هو شفقة على طليقها الملعون. كم ود لو يهزها بعنف لعلها تنفض غبار
التفكير به وتدرك قيمتها كامرأة تستحق الأفضل وتستحق كل ما هو جميل.
كنت ناوية ترجعيله
توجه بسؤاله نحوها وقد غلبته عاطفته وأنساه الغضب حرصه. فقابل ردها بنظرة غامضة من عينيها الجميلتين طالعته بها بصمت دام لحظات حتى شعر أنها تفهمه ولكنها كالعادة لم تريحه بإجابة واضحةأو أن ترطب على قلبه الملتاع لو قليلا
مالوش لزوم السؤال خلاص الحكاية فضت لوحديها. عن إذنك بجى يا أبو ريان الناس البناونة بدأوا يهلوا.
قالتها مشيرة بنظرها نحو عدد من رجال البناء القادمين من أول الطريق لتسحب نفسها من أمامه وتتركه في حالة من الغليان تجعله يود الضرب بأقدامه على الأرض كالأطفال. هذه المرأة ستذهب بعقله لا محالة.
تنهد وسحب أنفاسا عميقة ليهدئ قليلا من وتيرة انفعاله ثم أخرج الهاتف من جيب سترته وهاتف من يعرف أنها ستسمعه
إيوه يا منى عايز أحكي معاكي شوية... مخنوق.
وهكذا مرت الأيام بين مد وجزر شعور من الفرح يحلق به إلى أعالي السماء وآخر من الإحباط يسقط به مكسور الجناح. حتى جاء ذلك اليوم المميز لأهالي البلدة......
بعد مرور شهر وفي منزل حماد القناوي حيث الاستعدادات لليلة الختامية لمزار البلدة والذي يتم الاحتفال به كل عام على مدار ثلاثة أيام تذبح الذبائح ويطعم الجميع وتقام ليالي الذكر وسباقات الخيل المرماح. يتحمل التكاليف كبار الأغنياء ومن استطاع التبرع من باقي الأهالي فلا يضر فالغاية أن يفرح الجميع. وبما أن منزل حماد القناوي من كبار الداعمين فمعظم احتياجات الحفل والطعام تخرج منه.
أما عن معاذ فقد كان في هذا الوقت يطعم الحصان وينظفه بحماس شديد أثناء حديثه مع والدته
ليلى هتيجي المرماح النهارده يا أم حمزة يعني هتتفرج عليا وأنا في السباق وبرقص ع الحصان. الليلة هتبجى أحلى ليلة تمر على ولدك يا ست الكل. ضحكت حسنية وضربت كفا بكف معلقة يا خويا ربنا يفرحك على طول هو أنا هكره على الله بس يهدي أمها وترضى تجوزهالك بدل ما تفضل كده معلق وراها بالسنين. ووه يا أمه ما تفوليش في وشي. ده أنا مستني السنة دي تعدي على نار وأول ما تمسك شهادتها في يدها هاروح لمزيونة وأعملها ميت لو ما ادتنيش البت.
قالها معاذ بانفعال وهو يجهز الحصان ليعتليه مما أغضب والدته فأنهته قائلة
طب بطل خربيط في الكلام واهمد كده كل حاجة تاجي بالصبر. ضرب بأقدامه على الأرض بعصبية أصبر ده إيه يا أمه بجولك ع تجن على البت! ما تحسوا بيا يا جدعان باه.
جلجلت ضحكة المرأة في الحديقة حتى لفتت أنظار تلك التي كانت في الشرفة فأعطت تركيزها التام لهما مما أثار حنق معاذ فنبه حسنية
طب أرجع أجولك تاني خلي بالك مرت ولدك ناكتة عينها علينا وأكيد هتحاول تجرجرك في الكلام عارفها هتموت
متابعة القراءة