لأجلها ل بنت الجنوب امل نصر 17_1
المحتويات
إيه ضحك وهو يستقر على حصانه مرددا أديكي جولتيها بنفسك غاوي تعب والغاوي محدش يلوم عليه. ادعيلي بس ربنا يوفقني ويقرب المسافة.
شملته بنظرة إعجاب وهو يتحرك بحصانه العزيز مغادرا نحو وجهته لتتضرع إلى الخالق برجاء داعيالك يا ولدي يريح جلبك إنت وأخوك إن شاء الله يا رب في أقرب وجت تنول مرادك.
أما عند منى فقد كانت ترجو زوجها هذه المرة في الخروج رغم انشغاله بتصحيح كراسات التلاميذ المرصوصة أمامه
ممكن يا أستاذ منص تأذن لي أخرج النهارده ومش هعوج بإذن الله إنت عارفني. ضحكة صغيرة ساخرة صدرت منه ليعلق دون أن يرفع رأسه إليها حلوة عارفني دي. طب جولي حاجة تانية على الأقل أبلعها زي كل مرة ما بتضحكي عليا. أعجلي يا منى وبلاها لعب العيال بلا مرماح بلا كلام فاضي.
تفهم جيدا سبب رفضه ومع ذلك تدعي عدم الفهم يعني كل ناس البلد مجانين وإحنا بس اللي عاجلين عشان نسميه كلام فاضي خبر إيه يا منص ما تفكها شوية حمزة أخويا هيزعل مني.
ترك التصحيح ليطرقع بالقلم على الطاولة بغيظ مواجها لها أفهم بجى يزعل ليه حضرته ما يكلف أي واحدة من أخواتك التانيين. أشمعنا ماسك فيكي إنت مشاوير مستشفى وجلنا ماشي مشاوير لبيوت وزيارات جلنا ما يضرش ست وحدانية هي وبتها إنما مرماح ومهرجان رجالة رايحة ورجالة جاية
عند هذه النقطة لم تقو على منع ضحكتها لتردد بعد قليل يا راجل لساك برضو فيك الداء ده ده أنا كبرت وبقيت حجة يا منصور.
ما تجننيش! صاح بها بغضب حقيقي وأردف بعصبية رايحة جاية تجولي كبرت! إنت ما كملتيش الخمسة والتلاتين أصلا. ومش معنى إنك حجيتي بيت الله يبقى خلاص عديتي السن ومحدش هيبصلك!
حسنا لقد وصل إلى تلك النقطة التي تتجنبها طوال الوقت منذ زواجهما والتي لا يصح معها العبث أو المزاح ولا يصلح معها إلا حديث العقل واستدراج عاطفته
حاضر يا منصور إنت عندك حق. طب مش هاجولك إني لابسة خمار ولا إني مغطية حتى ضفر رجلي من تحت لكن هأنبهك لحاجة وانت اللي تحكم. أنا طلعتها في راس مزيونة إنها تطلع وتشوف الفرح في البلد. الست طول عمرها محبوسة وإحنا ستات يعني طريقنا مختصر والطلة وحدها لو من بعيد هتفرحنا. مش بنات صغيرين هندخل من جوه في وسط الزحمة على المراجيح والمهرجانات. وعلى العموم يا سيدي لو لساك معترض أنا أبعت لها البت تعتذر وهي حرة بقى وربنا يتولاها.
بحنق شديد صار يطالعها بصمت وتفكير متعمق رغم غيظه من مكرها في رمي الكرة في حجره حتى يكون القرار منه بعدما استدعت عاطفته نحو المرأة التي يشفق عليها من كثرة ما حدثته عنها ليزفر في الأخير حاسما
ساعة وهترجعي على طول. عوجتي عن كده يبقى خلي حمزة ينفعك!
تهلل وجهها مرددة يا خويا ده حمزة هيدعيلك من جلبه وأنا أزيد من ساعة مش هاجعد ربنا يجبر بخاطرك يا رب.
ياللا يا نسرين ياللا يا سمر عايزين نلحق نجضي لنا ساعة حتى على الأقل! هتفت بها ليلى موجهة الحديث إلى صديقتيها بعد انتهاء اليوم الدراسي لتسحبهما معها مغيرات طريقهن نحو الاحتفال بدلا من الذهاب إلى منازلهن كالمعتاد.
فردت الأولى بتعب
ياللا ياللا ما إحنا ماشيين معاكي. أها هنركب عجل في رجلينا دا إحنا مفرهدين أصلا يا غالية. يعني حقنا نروح البيت ننام لحد ما ييجي ميعاد الدرس مش نتفرج على مرماح وكلام فاضي!
عبست ليلى نحوها ثم خاطبت الأخرى قبل أن تعود إليها
أنا كنت عارفة من الأول... البت دي بوز فقر! ما تهمدي يا بت واتبطي إحنا كل يوم هنلاجي حاجة حلوة نروحها دا أنا مصدجت إن أمي سمحتلي أجي رغم المذاكرة اللي ورايا!
أيدتها سمر موجهة تقريعها للأولى
أنا معاكي يا صاحبتي حتى لو هنتأخر. علقة تفوت ولا حد يموت! دي كفاية نشوف الحصنة وجمال الحصنة واللي
راكبين على الحصنة!
ضحكت ليلى بانطلاق وقد فهمت المغزى الذي تقصده سمر لتضمها من ذراعها إليها مغمغمة
إيوه يا صاحبتي انتي بس اللي فهماني. ربنا يخليكي ليا وما يحرمك مني!
واختتمت بضحكة شاركتها فيها الفتاتان مواصلات حديثهن والمزاح حتى وصلن إلى موقع الاحتفال حيث ألعاب المراجيح الخشبية والسواقي التي التف حولها الأطفال وأغاني المهرجان التي تذاع بصخب من سماعات عربات المثلجات والحلوى وبائعي البطاطا المشوية الساخنة والذرة صخب وزحام كأنه مولد شعبي.
واصلن طريقهن حتى وصلن إلى الساحة الضخمة لتجمع الرجال حيث رجال يعزفون المزمار وسباق لخيول بفرسانها تركض بعصا طويلة نحو نقطة معينة.
وفي جانب آخر تواجدت خيول وأصحابها في مكان مخصص لهم للاستراحة للأستعداد لخوض السباق.
وقفت هي وصديقتاها تبحث عنه وقلبها كالطبول التي تقرع بالقرب منها. شعرت به يتحرك من موضعه فور أن وقعت عيناها عليه يركض قادما بحصانه عائدا من تلك النقطة البعيدة لنهاية السباق. منتصب الظهر يقوده بثقة المنتصر فارسها المغوار.
هو أيضا انتبه إلى حضورها من بين الفتيات ليشعلها بنظرة اخترقت وجدانها وجعلت الفرحة تكتسح ملامحها بوضوح. لكن سرعان ما خبأت ابتسامتها بعد سماعها لقول سمر
ليلى خلي بالك مش عايزين حد يعلق علينا ولا يفهم غلط.
قصدك إيه سألتها ليلى بتكلف لتجيبها نسرين بحرص
جصدها واضح يا ليلى في واحد مدبقنا من ساعة ما جينا الساحة وعينه عليكي إنتي بالذات ما اتشالتش.
تطلعت نحو الجهة التي أشارت إليها بعينيها فتأكد لها بالفعل أن هناك من يترصدهن شاب يعلو إحدى الخيول يطالعها بفجاجة أثارت ارتيابها حقا. فسارعت لطمأنة الفتيات
هشوف معاذ وهنمشي على طول يا بنات هو أكيد جاي دلوك مش هيعوج.
وفي جهة أخرى وقف حمزة يراقب قدومها بصحبة شقيقته العزيزة والتي جاءت بها عبر طريق مختصر بعيدا عن الزحام ومن أجل راحة الجميع.
كانت ترتدي عباءة سوداء محتشمة لم تنقص من جمالها شيئا بل زادتها فتنة حتى جعله يندم على ترحيبه بالفكرة. لكنه أرادها أن تعيش عمرها تعوض ما فاتها. يكفيه أن يرى تلك الابتسامة الساحرة وهي تتحدث بعفويتها مع شقيقته التي تجبرها بخفة ظلها على الضحك.
تنهد داخله بلوعة... متى تشعر به
عودة إلى الفتيات وقد اتخذن موقعهن بعيدا عن الزحام إلى حد ما بناء على اتفاق مسبق بين ليلى وذلك الفارس الذي اقترب بحصانه نحوهن يلقي التحية على الفتاتين اللتين ابتعدتا بمسافة قريبة نسبيا من تلك الحورية التي وقفت تقابله بلهفة ومشاعر جمعت بين الفرح لرؤيته بعد ذلك العرض الذي قدمه مع المجموعة وجعل قلبها يتراقص على أنغامه كما كان يتراقص حصانه الجميل على المزمار وبعض من القلق المتزايد بسبب ذلك الشاب الذي يتبعهن منذ قدومهن ولم يرفع عينيه عنها حتى الآن.
كاد قلبها أن يتوقف من فرط فرحته وهي تستقبله ينزل عن حصانه المحبب يخاطبها لاهثا بعد المجهود الرائع الذي بذله ليثبت لها أنه فارس حقيقي وليس مجرد كلمات في الهواء
أخبار الجميل إيييه عجبك المرماح
جوووي! من زمان بتحايل علي أبوي عشان يجيبني لكنه دايما
عقب على قولها بانفعال
أبو العيال على الكل كليلة لو عليا كنت مشيتهم كلهم وسيبتك لوحدك تلعبي بيهم بس أعمل إيه بقى في العيون اللي بتناظرك دي كمان عايزة مجهود لوحديها عشان أخذق عينين كل واحد بيبص عليكي.
ضحكت تغلق فمها بكف يدها مرددة
والله إنت مجنون يا معاذ. أضاف عليها بتأكيد بيكي! أنا مجنون بيكي يا جلب معاذ... استني هنا هروح أجيبلك حاجة حلوة.
هتروح فين استنى أنا مش عايزة حاجة.
لم يستمع لندائها بل ابتعد خطوات قليلة متوجها نحو إحدى العربات المزينة بالقرب منهم ليبتاع لها الفشار...
وفي ناحية أخرى توقفت المرأتان بجوار عربة الحلوى لتعلق مزيونة بخجل ضاحكة أيضا
أما إنتي عقلك صغير يا منى! هنمشي إزاي باللي اشتريناه ده يا ولية
تبسمت الأخيرة بتصميم وهي تمسك عددا من الأكياس المنتفخة بداخلها الحلوى
اللي يعرف أبويا يروح يقوله كلي يا بت واتمتعي يا فقرية! مش كل يوم هنلاجي فسحة ولا نشم هوا بعيد عن الضغوط.
ضغوط إيه سألتها ببراءة لتجيبها الأخرى بمغزى
الضغوط وأبو الضغوط! ده أنا مصدجت إني أتخلى عنهم النهاردة يا ساتر! بحسد السناجل والنعمة.
فهمت مزيونة إلى ما ترمي إليه عن زوجها والأطفال لتغرقها كعادتها في نوبة من الضحك فتنسي اتزانها المعتاد حتى تفاجأت بمن ظهر أمامها من العدم
ما شاء الله عليكم ساحة المرماح نورت بيكم.
ضحكت منى تستقبل أخاها بكلمات مفهومة إليه
عارفين يا واد أبوي خليها تنور وتزهزه هو إحنا جليلين
لا طبعا يا ست منى كد كلامك. عاملة إيه يا ست مزيونة
تبسمت تجيبه بخجل طغى على ملامحها حتى توردت له وجنتاها وكأنها فتاة في عمر المراهقة لم تنجب أو تتزوج من الأساس رغم حرصها الدائم على إخفاء مشاعرها
زينة يا أبو ريان الله يبارك فيك... صحيح هو فين ريان أومأ لها بسعادة نحو مجموعة من الأطفال تلعب بالقرب منهم ينادي مصدر حظه وقربه منها طوال الأيام الفائتة
واد يا ريان تعال هنا سلم على عمتك وعلي الست مزيونة.
عاد معاذ محملا لها بمجموعة أشياء أخرى يشير لها كي تفتح كفيها بتصميم جعلها تكتم ضحكاتها بصعوبة حتى لا تلفت الأنظار نحوها في هذا الزحام الصاخب وهي تتلقى منه قطع البطاطا الساخنة المغلفة والمثلجات أيضا لتردد بغبطة
كفاية يا مجنون! مرة فشار مرة هريسة ودلوك بطاطا وآيس كريم والاتنين عكس بعض! عايز تبوظلي سناني يا معاذ
بعد الشر على سنانك يا حبة القلب. قالها وهو يخرج من جيب جلبابه قطعة شوكولاتة أخرى مشددا
كليهم ولا وزعي على البنات أصحابك المهم تاخدي كل اللي ادهولك. أنا عايز اليوم ده يفضل معلم معاكي العمر كله. وده اللي أجدر عليه دلوك لكن لو عليا لا أخليكي تلعبي على كل المراجيح واللعب. بس بسيطة بعد الجواز نعمل كل اللي نفسنا فيه.
قال الأخيرة بغمزة أربكتها لكنها كعادتها لا تعطيه فرصة الاستمتاع بخجلها لتعقب بعبوس مصطنع
أممم... ماشي يا خفيف. عديني بقى خليني أرجع للبنات عشان نروح دول على آخرهم أصلا.
قالتها ليلتف نحو الفتاتين وقد اعتلي علي ملامحهما القلق لتومئ إحداهما لها نحو ذلك الشاب المتربص في جهة قريبة منهن. وما إن التقط نظرتها نحوه حتى افتر فمه بابتسامة غامضة وتلميح غير مريح فانتبه إليه معاذ وسألها
مين اللطخ ده
ارتبكت في لحظتها ولم يسعفها الوقت في البحث عن إجابة وقد تكفلت بها نسرين صديقتها التي وصلها السؤال لترد بعفويتها
دا واحد بيعاكس. من ساعة ما دخلنا أرض المرماح وعينه مش سايبة واحدة فينا... وخصوصا ليلى.
سمع منها واحمرت عيناه فجأة بوميض مخيف مرددا
عينه مش سايبة واحدة فيكم وخصوصا ليلى يعني الواد ده بيعاكسك يا ليلى
لم ينتظر ردا على سؤاله وتوجه نحو الفتى يهم بتأديبه مغمغما بشر
ده ليلة أمه مش معدية النهاردة!
استنى يا معاذ ملناش دعوة بيه! قالتها في محاولة لإثنائه
فكان رده أن دفع يدها عنه متوجها نحو هذا الشاب السمج والذي وقف ينتظره متحفزا ليرد على أسئلته بوقاحة كما يبدو أمام أنظار الفتيات.
وجاء الرد سريعا من معاذ ليسارع بتلقينه درسا لن ينساه ولم يكن الشاب ضعيفا ليتلقى الضرب دون رد وكانت النتيجة معركة حامية التف نحوها عدد غفير من الرجال والشباب حتى وصل الخبر إلى حمزة ومن معه فجاؤوا مهرولين لاستكشاف الأمر لتتفاجأ مزيونة بموقع ابنتها المميز بالقرب من الشجار وهي تبكي خوفا وفزعا من مشهد العراك أمامها.
تدخل حمزة بصرامة ليرفع شقيقه عن ذلك الغريب قبل أن يزهق روحه والذي ما إن خرج صوته صرخ بعلو قاصدا افتعال فضيحة
طب إنت مالك يا بارد أبصلها ولا أعاكسها حتى ولا هي حلوة ليك وعفشة لغيرك
غلى الدم في عروق معاذ حتى لم يترك الفرصة لشقيقه أن يرد بقسوة فجاء رده مدفوعا لحفظ كرامتها ومسؤوليته نحوها
مالي! إنها خطيبتي يا حيوان! يعني اللي يتجرأ عليها أجطع سيرته من الدنيا كلها!
سمعت مزيونة لتذهل ببصرها نحوه ونحو ابنتها التي صعقت بحضورها لتتمتم لها بصدمة وتساؤل موجع
خطيبته!
....يتبع
الفصل الرابع عشر
بالرغم من الزحام هناك أرواح تمضي وحدها
قلوب تتكئ على الفراغ وعيون أرهقها الانتظار
قد نغلق النوافذ لكننا لا نغلق الحنين
وقد نكابر لكننا لا نشفى
بعض الوداع لا يقال فيه شيء لكنه يأخذ منا كل شيء
أحيانا يمضي أحدهم بصمت ويأخذ معه كل الأصوات
ويتركنا نرتب تفاصيل الغياب على أمل ألا ننهار
لكننا ننهار فقط بصوت خافت لا يسمعه سوانا
الخذلان لا يأتي فقط ممن نكرههم
بل من الذين وعدونا أن يكونوا لنا وطنا ثم غادروا
فلا الطمأنينة عادت ولا نحن عدنا كما كنا
ورغم كل شيء نبتسم
لأننا اعتدنا أن نخفي الألم خلف قناع من الصبر
وأن نكمل الطريق حتى لو بأقدام مثقلة بالخذلان
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس
الفصل الرابع عشر
لقد فعلها وأعلنها أمام الجميع ولم يكذبه أحد حتى والدتها التي تلقت الخبر كالغرباء لم تنطق ببنت شفة وقابلت أمرها بصمت تام ومريب أيضا
قالها لينفض عنه وعنها أي اتهام فينجيها من شرر ألسنة البشر ليمر هذا الحدث الجلل بسلام ويحين الآن وقت الحساب
وقفت هالة في أعلى الدرج تتابع الشجار الساخن أسفله بصمت مدهش رغم الغليان بداخلها ورغبتها في الصراخ في وجوههم لكن فضولها في معرفة التفاصيل جعلها تصبر وتحلل قبل أن تصدر أي رد فعل
استريحت دلوك استريحت بعد ما خليت الكل يمسك في سيرتك إنت والبنية استريحت بعد ما لميت أهل البلد كلهم يشهدوا عليك وإنت بتربي الواد الصايع ده جدع يا معاذ جدع يا بشمهندس يا عاقل يا راسي!
ختم حمزة كلماته وصفق كفيه بعصبية وتشنج من فرط غضبه حتى جعل الآخر يبرر مدافعا
راسي ولا مجنون! كنت عايزني أسكت وأخلي الناس تمسك سيرتها بعد ما الواد ده خربط بحديته والله لو كان يخصني أنا وبس ما كنت عبرته لكن عند ليلى أصور جتيل!
صرخ
ما خلاص يا بوي اللي حصل حصل كده كده الواد عايزها وهي كمان رايداه بكرة نعلي الجواب وما حدش يقدر ينطق ببوم حتى قال زيتنا في دقيقنا ومحدش شريكنا
ههاي! جال زيتنا في دجيجنا ومحدش شريكنا!
هتف بها حمزة بضحكة ساخرة خالية من أي مرح ثم التفت عنهم يعطيهم ظهره ليهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة بتوتر ملحوظ وتتدخل منى الصامتة منذ بداية النقاش الحاد بتعقيبها
الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة يا أم حمزة ولا المجنون ولدك كيف ما عجله مصورله منظر مزيونة النهارده وهي بتسحب بتها بهدوء ومن غير أي كلمة ما يوحيش بأي خير ده غير إنها مش بالسذاجة دي اللي تخليها تجبل بالأمر الواقع معاذ غلط إنه كلمها أصلا في المرماح خلينا نبجى واضحين مع نفسنا ما نبررش عشان نطلع بحلول تغصب غيرنا على حاجة هو مش عايزها
كاد حمزة أن يشكر شقيقته بعدما فسرت طبيعة الوضع القائم بهدوء وعدل دون تحفز جائر لشقيقها حتى أثر على معاذ الذي بدأ يصحو على حقيقة خطأه فيأتي رد حسنية بطبيعة أمومية بحتة تعارضها
ليه يا بتي نسميها غصب هي مزيونة لو لفت الدنيا كلها هل تلاجي زي المهندس معاذ تربية الأزهر وزين شباب البلد كلها! ده غير إننا مستعدين ننفذ لها كل طلباتها من جنيه لمليون اللي تأمر بيه إحنا كديه!
هو الموضوع موضوع فلوس
صاح بها حمزة وقد عاد للانفعال مرة أخرى مردفا
يا أمه الله يرضى عنك خلينا نفكر بعجل ومانخليش عواطفنا هي اللي تغلب! اللي حصل ما كانش في أوضة ولا في سوق حتى ده حصل جدام أمة لا إله إلا الله من أهل البلد أهم حاجة نرضي مزيونة ده حقها علينا دلوك!
قالها بصرامة وحزم حتى أيدته والدته بحماس
وماله يا ولدي إحنا نخطف رجلينا عليها العشية تكون هي هديت شوية وأنا ليك عليا أصالحها وأراضيها كمان عشان توافق وتقتنع وهاخد منى معايا
اعترضت الأخيرة تبدي رفضها
لا معلش يا أمه اعفيني أنا كفاية عليا الموشح الي هاخده من منصور على تأخيري أسيبكم بجى وأروح أشوفه فوتكم بعافية
تحركت مغادرة لتردد حسنية من خلفها
الله يعافيك يا بتي وإحنا إن شاء الله نطمنك بالأخبار
ثم التفتت نحو ولديها قائلة
الأمور سهلة إن شاء الله ما تعجدوهاش على نفسكم وهي في واحدة في الدنيا تكره راحة بتها
تهللت ملامح معاذ استجابة لكلماتها وقد ارتسمت بخياله الأماني على عكس حمزة الذي ردد بقلق
أتمنى ده يحصل فعلا ما أنا قلبي مش مطمن
أما هالة فقد تحركت هي أيضا ذاهبة لغرفتها وحالة من الغليان تسري داخلها نحو تلك المزيونة وابنتها وأهميتهما الظاهرة بعنف نحو الأربعة حتى المرأة الكبيرة نسيت شقيقتها ووعودها الدائمة بتزويجها لهذا المتمرد الذي كان يتعفف عن الزواج والآن يفتح له ألف باب اللعنة على تلك الحيرة التي أصابتها هل السر في الأم أم في ابنتها
بهدوء تحسد عليه لم تنهرها ولم تضربها أو تثر عليها كما تفعل باقي الأمهات في رد فعل طبيعي لكنها خالفت المتوقع ليس من أجل شيء سوى أن تفهم تفهم ما حدث ولماذا هذا المعتوه تصرف هكذا أمام الناس علي أنها شيء يملكه
أما عن ليلى فقد تسبب الصمت في انهيارها فبدأت تحكي وتبرر وتحكي دون أن تترك تفصيلة واحدة حتى لو لم يكن
لها محل من الإعراب لكنها أصرت ألا تخفي عنها شيئا
بس كل ده اللي حصل من طج طج لسلام عليكم ما خبيتش عنك أي حاجة يا أمي أكيد أنا غلطت ومستعدة لأي عقاب منك بس والله كله حب شريف مفيهوش أي تجاوز من أي نوع يعلم الله حتى سلام اليد كان
ممنوع
أسهبت وأسهبت في التبرير ومع ذلك لا تجد منها إلا الصمت تطالعها بأعين خاوية لا تدري إن كان بها عتب أو
خيبة أمل أو حسرة
ليتها ضربتها حتى كسرت لها عظامها على الأقل سيكون أرحم من هذا السكوت المطبق
يا أمي ردي عليا الله يرضى عنك!
وتابعت البكاء بنشيج حارق حتى بلل سيل دموعها قماش العباءة فوق ركبتي مزيونة والتي أشفقت عليها أخيرا فتنهدت بعمق قبل أن تمسكها من ساعديها لترفع رأسها إليها قائلة بحزم
أنا مش هضربك ولا حتى هحاسبك أنا بس هطلب منك حاجة واحدة عشان أسامحك يا كده يا ما تبجيش بتي من الأساس
التقطت ليلى استجابتها بلهفة تومئ برأسها بالموافقة رغم توجسها الشديد من القادم
فرفعتها مزيونة من ذراعيها حتى أجلستها مقابلة لها ثم ألقت عليها بصرامة
أنا مستعدة أنسى اللي فات بكل أغلاطك فيه من أول ما داريتي عني معرفتك بمعاذ لحد جرسة المرماح واللي حصل فيه بس بشرط إن اللي جاي كله بكلمتي أنا اللي هقرر مستقبلك يا ليلى وانتي اللي عليكي تجولي حاضر مهما كانت صعوبة القرار وأظن إنك عارفاه زين
وكيف لا تعرفه! وهو بمثابة الإعدام لها ومع ذلك لا تملك الاعتراض
وكأنها ملكت قلبا من حجر واصلت مزيونة الطرق على الحديد ساخنا حتى تغلق باب النقاش إلى الأبد
هااا جولتي إيه
بانهيار أشد من السابق ردت ليلى بصوت بح من شدة الحزن
موافقة كل اللي تجولي عليه أنا موافقة بيه
ختمت لتنطلق في موجة أخرى من البكاء بحرقة
لا تملك
الجرأة في مخاطبة حمزة أو شقيقه المتمرد وإن هاتفت منى وسألتها فسوف تتلاعب بها كعادتها كما أنها حانقة وبشدة من زوجة عمها التي تخلت عن وعودها وباعت شقيقتها لصالح امرأة غريبة وابنتها
فكان لا بد أن تجد من تنفث فيه طاقة الغضب التي تحملها داخلها منذ ساعات ومنذ معرفتها بما حدث الأمر الذي قلب الموازين رأسا على عقب ومن أمامها يشاركها مخدعها سوى زوجها الغافل عن كل ما يحدث من مصائب حوله وقد كان عائدا لتوه من الخارج ألقى التحية بروتينية باردة
مساء الخير
مساء النور أخيرا جيت يا خليفة الدنيا تضرب تجلب وإنت كنك في دنيا تانية ومش عايش معانا!
قطب حاجبيه وتوقف عن التوجه نحو المرحاض ليعلق بضجر واستنكار
أعوذ بالله منك ومن خشمك اللي بينقط زفت الفال سعد محدش فهمهالك دي
نزلت من على التخت تقابله في وقفته متحفزة
لاه دي عارفاها من زمان يا خليفة! بس أنا هحكم إنها سعد على أساس إيه! ما أنت لو سمعت عن الجرسة والفضيحة اللي عملها أخوك في ساحة المرماح وعركته اللي اتلم عليها أهل البلد كلهم أكيد كنت فهمت أنا قصدي إيه!
أممم
زام بها بشفتيه باستدراك لمقصدها ثم أردف ببساطة كادت أن تصيبها بذبحة صدرية
يعني إنتي كل عراكك ده عشان معاذ! طب ما هي العركة فضت وولدنا عرف يوقف الواد الصايع ده عند حده بعد ما إداه الطريحة وادبه
سمعت منه لتخرج من نصف حلقها شهقة استنكار وعيناها برزتا للخارج ترددت بعدم استيعاب
يعني إنت كمان على علم يا خليفة! كنت عارف إن أخوك ماشي مع واحدة وبيتعارك عليها في و
وجفي عندك!
قاطعها بها ليردف مشددا برفع سبابته أمام وجهها
غلط في بنت الناس مش هسمحلك ليلى أخويا طالبها بالحلال وحكايته معاها في النور جدامنا كلنا يعني مش في الضلمة عشان يتقال ماشي معاها!
يعني إنت كمان كنت
قابل صرختها بعدم اكتراث مؤكدا
أيوه يا ستي كنت عارف حمزة ومعاذ الاتنين مكلميني في الموضوع زي ما أنا عارف إنهم دلوك رايحين لأمها عشان يجيبوا منها الموافقة على الخطوبة رسمي
هل يقصد إصابتها بالجنون لو كان غرضه هذا فهو قد نجح فهيئتها التي توشك على الانهيار كانت بالفعل على شفا ذلك
يعني كل ده بيحصل من ورا ضهري وإنت عارف ومشجعهم كمان! بتداروا علي كأني عدوتكم! وأختي إسراء زينة بنات العيلة كلها أخوك يرفضها علشان واحدة زي دي!
عاد مشددا بنبرة حازمة غير آبه بانهيارها
للمرة التانية بنبهك متغلطيش في البنت اللي اسمها دلوقتي جدام الناس خطيبة أخويا وبكرة هتبجى مراته يعني اللي يمسها يمسنا وبعدين إيه دخل أختك باللي حصل!
توقف متأملا ملامحها المصدومة يستطرد بقصد
دي حاجة اسمها جسمة ونصيب يعني لو ملهاش بخت فيه ربنا يرزقها بالأحسن يبقى الواجب إنها تشيل من دماغها عشان لا الحب ولا الجواز بالعافية ولا الفرض وكل واحد يحافظ على كرامته
في منزل مزيونة كانت الجلسة التي تمت بناء على طلب رسمي للقاء بها بعد حادثة الصباح
لم تحضر منى لتحل محلها والدة ياسين الأخت الأصغر من حمزة والذي خجل بدوره في الحضور مع إصرار مزيونة أن يقتصر الحضور على عدد قليل تجنبا لغضب شقيقها الذي فضلت عدم إعلامه
بالأمر الآن
بدأ معاذ الجلسة مبادرا باعتذاره
أنا بكرر أسفي للمرة الألف يعلم الله إن تصرفي ده ما طلعش غير من غيرة وخوف على ليلى مش أكتر من كده
تلقت اعتذاره بملامح باردة دون أن تبدي أي رد فعل فتدخلت شقيقته الكبرى
معاذ رايد ليلى بالحلال يا مزيونة وتصرفه ده على كد ما هو متسرع بس بصراحة ما نقدرش ننكر إنه جه في وجته عشان يخرص أي حد حب يتطاول بكلمة
تبسمت مزيونة بتسلية رغم حنقها من عفوية المرأة التي لا تجيد انتقاء الكلمات مثل شقيقتها منى ثم جاء رد فعلها حين تلقت لكزة قوية من والدتها التي سارعت لتصلح
لا حد يجدر يتطاول ولا
يتكلم أصلا بصي يا ست مزيونة أنا هاجيبلك من الآخر سيبك من كل اللي حصل وخليكي معانا الموضوع ده جاي من عند ربنا عشان يوفق ما بين العيلتين في بعض إحنا رايدينها ونشيلها بشنطة هدومها واللي إنتي عايزاه إحنا تحت أمرك
سارع معاذ
بإضافة الأهم
تعليم ليلى مش هجصر فيه يا خالة مزيونة ولو على موتي! لو حصلت أذاكرلها بنفسي هاعمل كده المهم إنها تجيب المجموع الكبير وتدخل جامعة محترمة أنا دريان إن ده حلمها وحلمك وحلمي أنا كمان دلوك
خرجت عن صمتها أخيرا بهدوء يثير الدهشة
بس أنا مش هشرك حد في حلمي أنا وبتي يا معاذ لأن الموضوع منتهي أصلا متزعلوش مني يعني أنا جاية من الأول اللي عايز بنتي ينتظرها لحد ما تخلص تعليمها
وقع قرارها كالصاعقة على الثلاثة حتى ألجمهم عن الرد لحظات ثم استوعبتهم حسنية أولا وجادلتها بحرج
أيوه يا بتي بس معلش يعني أنا جصدي
جصدك موضوع الخطوبة لا دي مش مستاهلة تفكير أصلا
تدخلت أم ياسين مستفسرة أمام صمت معاذ الذي أصابته كلمات مزيونة بالدوار
مش مستاهلة تفكير إزاي معلش متزعليش مني يعني ليلى جدام الناس تعتبر مخطوبة رسمي لمعاذ من غير حتى جراية فاتحة ولا شبكة!
لا وهزعل منك ليه
ردت مزيونة ووجهت نظرة حادة نحو معاذ قبل أن تستكمل
إنتي بنفسك جولتي يعتبر وده كلام زي أي كلام نسكت عليه شويةكد خمس تاشر يوم كده وبعدها ننشر إن الخطوبة انفلتت وإحنا برضو حبايب ومفيش أي حاجة وحشة بينا تمنع الجواز لما تخلص تعليمها
أطفأت جذوة الأمل داخله قطعت عليه عشمه بفرحة العمر كيف طاوعها قلبها!
بقلب منفطر تابع حلقة النقاش التي صارت تدار أمامه من والدته وشقيقته أمام مزيونة المتعنتة كالصخر صارت عيناه تبحث عن وليفته يريد منها ولو إشارة واحدة فقط وسوف يفعل المستحيل كيف تتركه يصارع وحده الغرق دون أن تمد له يد المساعدة كيف لها أن تتركه يحارب وحده في معركة تخصهما معا
شاردا في زحمة أفكاره لا يدري أنها داخل غرفتها تكتم صوت بكائها على وسادتها لا تقوى حتى على الاعتراض بعد العهد الذي أخذته عليها والدتها والذي لا يمكن أن تنقضه إلا بالموت
نهض خليفة من جلسته مع شقيقه حمزة ليتلقى والدته التي كانت عائدة من الخارج أجلسها بجواره تلتقط أنفاسها في البداية قبل أن توجه لهما أمرها
حد فيكم يشوف الواد ده مش ناجصين يطينها أكتر ما هي مطينة!
يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل وهو معاذ راح فين أصلا ولا أم ياسين إزاي سابوكي ترجعي لوحدك عقب بها حمزة قبل أن يأتيه ردها
أم ياسين وصلناها على بيت جوزها بالعربية أما أنا فوصلني لحد باب البيت وجالي مخنوق وماقدرش أدخل أنا خايفة يعمل حاجة في نفسه بعد ما مزيونة رفضت للمرة التانية جوازه من بتها
وه!
تمتم بها حمزة ليضيف عليه خليفة بدهشة
كيف الجزينة دي ترفض! هي مش دريانة إن خبر الخطوبة بجى مسمع في البلد كلها! هي المرة دي عايزة توجف حال بتها ولا إيه
إيه اللي حصل عاد يا ولدي! مزيونة دي طلعت صعبة جوي!
زفر حمزة يقابل نقد شقيقه ورد والدته بحزن
شديد على الآخر هذه المرأة تفاجئه كل يوم تلك العنيدة كيف ملكت الجرأة لتفعلها تقلب الطاولة فوق رؤوسهم دون أن يرف لها جفن وتحول نقطة ضعفها إلى مركز قوة
نهض فجأة من جوارهما مستأذنا
أنا رايح أشوف الواض فين وأطمن عليه
وغادر تاركا لهما الجلسة التي خيم عليها الحزن على عكس ما كان يحدث عند صنف آخر من البشر تلك التي كانت تستمع إلى حديثهم بقلب يتراقص فرحا تغمرها سعادة بعد رفض هذا المتمرد لتمتم بشماتة واضحة
أحسن! عشان يعرف قيمة إسراء أختي!
في عتمة الليل وسكونه وقلبها ينزف حزنا على ما قد تم وما فعلته بيدها تنهشها نيران الحيرة لا هي قادرة على التراجع ولا تملك القدرة على المواصلة إن اختارت نفسها واختارته ستخذل أقرب الأشخاص إليها من هي قطعة من روحها وإن استمرت وتشبثت بقرارها فإنها بذلك تكتب شهادة موتها وهي على قيد الحياة ويبدو أن هذا ما تم بالفعل
لم يعد لديها سوى سيل الدموع على وسادتها إنها حتى لا تملك رفاهية البوح بها هذا ما تبقى لها ولكن
صوت صهيل خيل دوى فجأة يصل إلى مسامعها جعلها ترفع رأسها ثم تنهض بلهفة نحو النافذة الخشبية القديمة فتحت شراعها لتفاجأ به فارسها المظفر يعتلي حصانه العربي يدور به
في دائرة صغيرة على مسافة آمنة نسبيا من المنزل
وبدون أن تشعر غلبتها الفرحة بقدومه لتضحك رغم دموعها وعلى غير إرادتها تتخلى عن جمودها فيصل إليه مشهدها كاعتراف غير منطوق يرطب قلبه الملتاع
فيزداد إصراره وتمسكه بها رغم كل ما حدث ويتضاعف التأكيد داخلها هي أيضا بعشقه مجنون ليلى لم يفقد الأمل بعد مجنون ليلى لن يتركها إلا بخروج الروح من جسده كما قال فهي الروح ومن بعدها الموت
استيقظت باكرا لتلحق بنشر مفارش النوم والأغطية على الأحبال المعلقة خلف المنزل أسفل شجرة التين العتيقة في روتين يومي لا
لتتفاجأ به اليوم جالسا بالقرب منها على المصطبة الطينية لكن متى قد جاء إلى هنا
آسف لو خضيتك يا ست مزيونة بس أنا جاعد هنا من خمسة
متابعة القراءة