غيرة الكبير بقلم مايا خالد حصري

لمحة نيوز

غيرة الكبير ل مايا خالد حصري
في نجع الدير البحري على النيل، كان مهيب أبو الدهب راجل في أواخر التلاتينات، طويل عريض، لحيته خفيفة سودا فيها خيوط بيض قليلة من الهموم، وعيونه حادة زي الصقر. مش كبير السن، لكنه كبير النجع الكلمة بتاعته قانون، واللي يخالفه يلاقي نفسه في ورطة. ماضيه مش نضيف، ثأر قديم، دم، ومعارك خلّته يبقى اللي الناس تخاف منه وتحترمه في نفس الوقت.
في ليلة صيف حر، والنجع ساكت غير همهمة النيل، كان مهيب قاعد في الديوان مع رجالته يشربوا الشاي. فجأة رصاصة واحدة جات من الظلام ناحية صدره. الرجالة صاحوا، لكن بنت صغيرة اسمها نادية بنت الست زينب الغسالة كانت قريبة تشتري لبن لأمها المريضة. شافت اللي هيحصل، جريت زي المجنونة ورمت نفسها قدام مهيب، والرصاصة دخلت في كتفها بدل قلبه.
الدم سال على جلابيتها الرخيصة، ومهيب مسكها قبل ما تقع. عيونه اتوسعت
... إيه اللي عملتيه ده؟!
نادية، وهي بتتأوه من الألم، بس صوتها ثابت
يا عم مهيب... محدش يموت قدام عيني وأنا أسكت.
الرجالة قبضوا على اللي رما، طلع واحد من عيلة عندهم ثأر قديم. لكن اللي حصل ده قلب الدنيا.
تاني يوم النجع كله بيتكلم
البنت دي طمعت في مهيب، عايزة تبقى حرمه وتاخد فلوسه.
دي صغيرة وشقية،

عملت كده عشان تتصنع بطولة.
مهيب لازم يدفع تمنها، يا يتجوزها يا يطردها بره النجع.
مهيب كان في بيته، الدكتور خلّص يعالج كتف نادية، وهي نايمة في أوضة الضيوف. أمها جات تعيط
يا بيه، بنتي بريئة، ما تعملش فيها حاجة.
مهيب بصلها بنظرة هادية
البنت دي فدتني بروحها. أنا مش هسيبها تتعذب بسببي. هتفضل في بيتي لحد ما تبرأ.
بعد أيام، لما نادية فتحت عينيها كويس، لقت مهيب قاعد جنب السرير، ماسك كوباية مية يسقيها. كان لابس جلابية بيضا نضيفة، ووشه هادي غير العادة.
نادية بصتله بخجل، وبعدين قالت بصوت ضعيف
يا مهيب بيه... أنا آسفة إني ورطتك. الناس بتقول كلام وحش عليا.
مهيب حط الكوباية وقال
الناس بتقول كتير، وأنا بعرف أسكّت الكلام ده أنا هتجوزك إنتي عملتي حاجة محدش يعملها.
سكتت لحظة، وبعدين رفعت عينيها وقالت بصراحة صغيرة ماياخالد
بس... فرق السن بينا كبير إزاي هتقبل حاجة زي كده؟
مهيب بصلها طويل، عينيه في عينيها بدون ما يغمض، وبعدين قال بصوت عميق وقوي
أنا بحميكي يا نادية.
مش عشان عيني فيكي ولا عشان جمالك، ده عشان أنتي اللي حميتيني أول. السن ده رقم، والرقم ما يفرقش لما الواحد يلاقي حد يستاهل يعيش عشانه. أنا مش هسيبك تواجهي النجع لوحدك، ولا هسيبك تتعذبي بسبب اللي
عملتيه عشاني. إنتي دلوقتي في ذمتي، وأنا راجل ما أخونش الذمة.
نادية عينيها اتملت دموع، مش من الوجع، من الكلام ده. همست
بس الناس هتقول إني طمعت فيك.
مهيب ابتسم ابتسامة خفيفة أول مرة
خليهم يقولوا. اللي يقول كلام يتحمل تبعته. وأنا هوريهم إن اللي في قلبي مش طمع، ده وفاء.
بعد أسبوعين، جمع مهيب العمدة والمشايخ في الديوان وقال قدام الكل
أنا هتجوز نادية بنت زينب. مش عشان كلام الناس، وعشان دي اللي فدتني بنفسها. واللي عنده كلام يقوله دلوقتي.
محدش تجرأ يرد. العقد تم في المسجد، ونادية دخلت بيت مهيب بفستان أبيض بسيط، وعينيها خايفة بس فيها أمل.
الفصل التاني غيرة الرجل اللي ما ينامش
أول شهور الجواز كانت هادية نسبيًا، زي هدوء قبل العاصفة. نادية كانت بتعامل مهيب زي ملك تطبخ له أكل صعيدي يفتح النفس مولخية بالأرانب، فتة باللحمة، محشي كرنب بطريقة أمها علمتهالها وتقعد تسمع له لما يحكي عن أيامه القديمة بدون ما تقاطعه. مهيب كان بيحس براحة غريبة، أول مرة في حياته يلاقي حد يشوفه مش كالكبير اللي يخاف منه، لكن كراجل عنده قلب.
لكن نفيسة مرات أخوه اللي مات في ثأر قديم كانت عايشة في الجناح التاني من البيت الكبير مع ولادها. نفيسة دي امرأة في الأربعينات، ذكية، لسانها
حاد، وعينيها ما بترحمش. من أول يوم شافت نادية دخلت البيت، عينيها احمرت
دي جات تاخد مكان أخو جوزي؟ دي صغيرة وفقيرة، هتودي مهيب مايا خالد في داهية.
بدأت نفيسة تلعب لعبتها بهدوء. في الأول، كانت تنشر كلام خفيف في النسوان اللي بيجوا يزوروا
نادية دي كانت بتشتغل في بيوت قبل ما تتجوز مهيب. مين يضمن إنها ما كانتش بتبص لرجالة؟
مهيب ده اتعمى، البنت دي سحرته بعيونها.
الفرق في السن ده مش طبيعي، أكيد فيه حاجة وراها.
الكلام ده وصل لودان مهيب، لكنه كان بيرد ببرود
اللي عايز يتكلم يتكلم، واللي عنده دليل يجيبه.
لحد يوم الجمعة في السوق الكبير. نادية راحت تشتري خضار وبهارات، لابسة عباية سودا وشال يغطي شعرها، بس جمالها الطبيعي كان باين. واحد من شباب النجع اسمه صابر، ابن عم بعيد وقف يبص لها نظرة طويلة، نظرة فيها كلام واضحة.
مهيب كان واقف بعيد يتكلم مع رجالة، شاف النظرة دي. الدم سخن في عروقه في ثانية. مشى ناحية صابر بخطوات ثقيلة، مسكه من ياقة جلابيته وقال بصوت منخفض بس يرج الأرض
يا ابن ال... بتبص لمراتي إزاي ده؟ عينك دي هتطلعها دلوقتي ولا أنا أطلعها بإيدي؟
صابر ارتعب، وشه شاحب
والله يا عم مهيب ما قصدت! كنت ببص للخضار!
مهيب شده أكتر، عروقه بارزة في رقبته
الخضار
في السوق ولا في وش مراتي؟ أوعى تكرر النظرة
تم نسخ الرابط