غيرة الكبير بقلم مايا خالد حصري
كانت قاعدة على الأرض بتترعش. حضنها بقوة، صوته مخنوق
أنا آسف يا نادية... ده بسببي.
نادية رفعت وشها، دموعها نازلة
مش بسببك. ده بسبب الدنيا اللي إحنا فيها. بس أنا مش هسيبك.
في اللحظة دي، مهيب حس إن الاختيار جاي يستمر يحميها ويواجه الثأر ده كله، ويخاطر بسمعته وأمانها... ولا يبعد عنها عشان يحميها من بعيد، حتى لو ده هيكسر قلبه.
بص لها وقال بصوت منخفض
أنا لازم أختار يا نادية. بين إني أسيبك تروحي مكان آمن بعيد عني... وبين إني أقاتل عشان نبقى مع بعض. أي الاتنين هتختاري إنتي؟
نادية مسكت إيده بقوة
أنا اخترتك من أول يوم يا مهيب. هقاتل معاك، مش هسيبك روايات مايا خالد
مهيب حضنها أقوى، وعينيه مليانة عزم
طيب. من النهارده، محدش هيقدر يقرب منك تاني. ولو الثأر ده عايز دم... هياخد دمي أنا قبل ما ياخد دمك.
الأيام اللي بعدها كانت نار مش هادية. مهيب ما نامش كويس، كان يقعد بالليل جنب النافذة ماسك بندقيته، عينيه على الظلام بره. نادية كانت تشوفه كده، تقرب منه بهدوء وتحط إيدها على كتفه
يا مهيب... نام شوية، أنا هنا.
يبصلها ويرد بصوت مخنوق
أنا مش هسيبك تواجهي اللي جاي لوحدك يا نادية. الثأر ده مش هيخلص غير بدم.
نفيسة كانت بتلعب آخر ورقة ليها. راحت للعمدة والمشايخ في مجلس سري، وقالت بصوت حزين مصطنع
يا جماعة، مهيب اتغير من ساعة ما جاب البنت الصغيرة دي. النجع كله بيتكلم، والثأر رجع بسببها. لو ما اتدخلناش، الدم هيسيل في النجع كله. خلّوه يختار يا يبعد عنها ويحمي سمعته وسلامة الناس، يا يستمر ويخسر كل حاجة.
العمدة بص للمشايخ، وقال
الكلام ده صح. مهيب لازم يجي المجلس بكرة، ويحسم الموضوع قدام الكل.
تاني يوم،
العمدة بدأ
يا مهيب، النجع في خطر بسبب الثأر اللي رجع. الناس بتقول إن مراتك الصغيرة دي هي السبب. إحنا مش عايزين دم، بس لازم تختار تبعد عنها شوية لحد ما الأمور تهدأ، ولا تستمر وتتحمل تبعات اللي هيحصل.
الناس همهمت موافقة. واحد صاح
الكبير لازم يحمي النجع كله، مش مراته بس!
مهيب وقف، رفع صوته يرج الأرض
أنا مهيب أبو الدهب، وكلمتي ما تردش. الثأر ده مش بسبب نادية، ده بسبب ماضيّ أنا. وأنا اللي هخلّصه، مش هي. اللي عايز يمس مراتي، هيعدي على جثتي الأول.
بص لنادية اللي واقفة جنبه، عينيها مليانة خوف بس عزم
بس... أنا هختار دلوقتي قدامكم كلكم.
سكت لحظة، الريح هبت، والناس سكتت. مهيب كمل بصوت أقوى
أنا مش هبعد عن نادية. مش هسيبها تواجه الدنيا لوحدها عشان سمعة أو عشان كلام الناس. دي اللي حمتني بروحها، وأنا هحميها بروحي. لو النجع مش عايز يقبلها، يبقى أنا وهي هنمشي من هنا. بس لو عايزين الكبير اللي يحميكم، يبقى لازم تقبلوا إن مراتي جزء مني، ومحدش يقرب منها.
نادية مسكت إيده أقوى، دموعها نازلة
أنا معاك يا مهيب، في النجع أو بره.
في اللحظة دي، صوت رصاصة جات من بعيد. الرصاصة مرت قريب من راس مهيب، ضربت الشجرة وراه. الناس صرخت واتفرقت. مهيب شدها لتحته، مسك بندقيته، وصرخ لرجالته
اقبضوا عليهم! الثأر جه!
المعركة استمرت دقايق، رصاص وصراخ. مهيب أصيب في كتفه، لكن ما وقفش. قبضوا على المهاجمين التلاتة، وطلعوا من عيلة الثأر القديمة.
لما هدأت الأمور، مهيب وقف وسط
الثأر خلّص النهارده. اللي كان عايز دم، أخد اللي يستاهله. دلوقتي... إنتوا هتقبلوا مراتي ولا لأ؟
العمدة تقدم، بص للناس، وبعدين قال
الكبير أثبت إنه لسه كبير. ومراته... حمته بروحها، وهو حماها بروحه. إحنا نقبلها، ونقبلكم إنتوا الاتنين.
الناس بدأت تصفق وتهلل، حتى نفيسة سكتت ودارت بعيد، وشها شاحب.
مهيب بص لنادية، مسح الدم من كتفه، وقالها بهمس
خلاص يا نادية... الدنيا هديت.
نادية حضنته، صوتها مخنوق
وإحنا مع بعض... ده اللي يهم.
النهاية
بعد كده، النجع رجع يحترم مهيب أكتر، ونادية بقت حرمة الكبير اللي الناس بتحكي عنها بفخر بنت صغيرة حمته، وهو حماها، والغيرة الصعيدية خلّتهم يعيشوا مع بعض في سلام بعد النار.
بعد خمس سنين
في صيف ٢٠٣١، الدير البحري كانت لسه واقفة على النيل زي زمان، بس فيها تغيير خفيف البيت الكبير بتاع مهيب بقى أكتر دفء، والحوش مليان أطفال بيلعبوا، وصوت ضحكهم يوصل للنيل.
مهيب دلوقتي في أوائل الأربعينات، لحيته شوية بيضا أكتر، بس قامته لسه واقفة زي الجبل، وعينيه لسه فيها نفس الغيرة الهادية اللي الناس بتحترمها. كان قاعد تحت شجرة الجميز اللي زرعها نادية قبل أربع سنين، ماسك كوباية شاي، ويبص للأرض اللي بقت بستان صغير مليان زيتون وتين.
نادية كانت جاية من المطبخ، لابسة جلابية قطن بيضا مطرزة بخيوط ملونة، شعرها مربوط برباط بسيط، وفي إيدها صينية فيها شاي وكام كوباية. دلوقتي عندها ٢٧ سنة، وجمالها زاد مع السنين، بس في عينيها هدوء وثقة ما كانتش موجودة زمان.
قعدت جنبه، سابت الصينية، وقالت بابتسامة
الولاد خلصوا
مهيب ابتسم ابتسامة خفيفة
ده ولدي، لازم يبقى أحسن مني.
من بعيد، كان في بنت
صغيرة اسمها زينب على اسم جدتها، شعرها أسود مجعد زي أمها، بتجري ناحيتهم، وراها مراد اللي عمره خمس سنين، ماسك عصاية صغيرة يقلد أبوه.
زينب قعدت في حضن نادية
بابا، لما أكبر هبقى زي ماما؟
مهيب بصلها، وبعدين بص لنادية
إن شاء الله تبقي أحسن من ماما... وأقوى.
نادية ضحكت ضحكة ناعمة
وأنت يا مهيب، لسه بتحس إنك خسرت حاجات كتير بسببي؟
مهيب سكت لحظة، وبعدين قال بصوت هادي
خسرت شوية سمعة في الأول، خسرت بعض الرجالة اللي كانوا بيخافوا مني أكتر ما يحترموني. بس كسبت حاجات أكبر بيت فيه دفء، ولاد ينادوني بابا مش كبير، ومرات حمتني بروحها وأنا حميتها بروحي.
مد إيده، مسك إيدها زي أول مرة في الديوان زمان
وأهم حاجة... كسبت إني أعيش من غير ما أخاف أفقد اللي بحبه.
في اللحظة دي، حسين اللي كان زمان بيبص لنادية في السوق مر من قدام البيت، سلم من بعيد باحترامروايات مايا خالد
مساء الخير يا عم مهيب، يا ست نادية.
مهيب رد ببرود بس بدون غضب
مساء النور يا حسين.
نادية بصت لمهيب وقالت بهمس
شايف؟ حتى اللي كان بيبص زمان بقى يحترم تابع روايات مايا خالد
مهيب هز راسه
الغيرة خلّتني أحميكي، والوقت خلّى الناس تشوف الحق.
الشمس بدأت تغرب على النيل، والأطفال ركضوا يلعبوا تاني. مهيب بص لنادية وقال
لو الدنيا رجعت تاني... هعمل نفس الاختيار.
نادية ابتسمت، راسها على كتفه
وأنا كمان.
وبعد سنين، الناس في الدير البحري لما يحكوا عن حرمة الكبير، بيقولوا
كانت بنت صغيرة، بس قلبها كبير. وحمته
النهاية روايات مايا خالد